سلطت أزمة الديون الاميركية المتعاظمة والعجز الكبير الذي يواجهه الاقتصاد الاميركي الضوء على وكالات التصنيف الائتماني الاميركية. والتي كانت قد طالبت ابان المناقشات الحادة بين الجمهوريين والديمقراطيين في البيت الابيض بشأن أزمة الديون تلك بضرورة خفض الدين الاميركي بمقدار 4 تريليونات دولار وخاصة ان اجمالي الدين العام الاميركي قد وصل إلى ارقام مهولة تقدر بنحو 14.5 تريليون دولار وعندما جاء اعلان سيد البيت الابيض الرئيس الاميركي باراك اوباما بان قادة الحزبين قد توصلوا إلى حل بشأن أزمة الديون الاميركية توجهت أعين العالم بما فيها أعين الساسة الاميركيين وصناع القرار في الحكومة الاميركية نحو وكالات التصنيف الائتماني لمعرفة ان كانت تلك الوكالات قد تنفذ تهديداتها وتخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة باعتبار ان التريليون دولار الذي اعلن عنه اقل بكثير من الاربعة تريليونات دولار التي طالبت تلك الوكالات بتخفيضها . بينما ترتفع الاصوات في اوروبا بضرورة قيام وكالة اوروبية لمواجهة هيمنة نظيرتها في الولايات المتحدة.
ويتساءل المراقبون عما اذا كانت تهديدات وكالات التصنيف الائتماني الاميركية بخفض التقييم للولايات المتحدة والضغوط الاميركية التي يقال بانها تمارس الان من قبل الساسة في الولايات المتحدة على تلك الوكالات لحثها على عدم خفض تقييماتها للولايات المتحدة ما هي الا مسرحية هزلية. فالخبراء يؤكدون ان وكالات التقييم الائتماني كانت تعلم منذ وقت بعيد بان الديون الاميركية في تعاظم وان ارقام العجز الاميركي في تنام ولكنها اختارت الصمت خدمة لمصالحها وما اختلف هو ان ازمة الديون برزت للسطح بعد ان اصبح توقيت سداد تلك الديون المستحقة على الولايات المتحدة لدول العالم لا يبعد سوى اسابيع قليلة حتى وصل إلى ايام معدودة بحيث اصبح من الصعب ابقاء الصمت على تلك الديون مطبقا.
ومرة اخرى تبرز وكالات التصنيف الائتماني إلى حيز الضوء ولكن هذه المرة في المربع الاميركي ففي الاشهر الماضية سلط الضوء على تلك الوكالات ولكن في المربع الاوروبي بعد قيام الشركات الاميركية الثلاث (موديز، وستاندر اند بورز، وفيتش) بخفض تصنيفها الائتماني لليونان وايرلندا والبرتغال على خلفية الديون السيادية لتلك الدول وتازم اوضاعها السيادية ونذكر بان تلك التخفيضات المتوالية في ذلك الوقت ووجهت بانتقادات عديدة من قبل مسؤولين اوروبيين وعلى رأسهم خوسيه مانويل بارسو رئيس مفوضة الاتحاد الاوروبي واصبح الاوروبيون يجاهرون بان الوقت قد حان لتوجه اوروبي نحو انشاء وكالة اوروبية للتصنيف الائتماني للخروج من تحت عباءة هيمنة وكالات التصينف الاميركية مع التذكر بان وكالات التصنيف الائتماني تتحمل مسؤولية كبيرة في ولادة الازمة المالية العالمية وخاصة ان دور هذه الوكالات يتمثل في توفير تحليلات موضوعية للمخاطر التي قد تحيق بالمستثمرين فيما يتصل بوضع السندات والشركات والدول، حيث تركز هذه التصنيفات على مدى قدرة اقتصادات الدول على سداد ديونها والتزاماتها المالية وهو ما عجزت وكالات التصنيف الائتماني عن القيام به وساهم إلى حد كبير في ولادة ازمة مالية عالمية حادة لا تزال تداعياتها تؤرق اقتصاديات دول كثيرة في العالم.
وربما بات على العالم النظر بجدية إلى ضرورة ولادة وكالات تقييم وتصنيف ائتمانية اخرى في العالم بحيث لا تكون محصورة بوكالات التصنيف الاميركية وحدها فالاقتصاديات الخليجية على سبيل المثال وباعتراف اقتصاديات العالم الكبرى اصبحت رقما صعبا وثقلا اقتصاديا لا يستهان به على خارطة الاقتصاد العالمية ناهيك عن اقتصاديات اسيوية مثل الهند والصين اذهل اداء اقتصادياتها العالم في احلك اوقات الازمة المالية العالمية وربما بات على دول اسيا ان تطالب هي الاخرى بوكالات تصنيف ائتمانية اسيوية ولكن ما الذي تحتاجه وكالات التصنيف الائتمانية لتولد بمخاض ناجح وكيف يمكن لها ان تكسب مصداقية العالم وهو امر يحتاج إلى سنوات طويلة ليتحقق سؤال وجهته إلى عدد من الخبراء لمناقشة مصداقية تلك الوكالات ومستقبل ولادة مزيد من وكالات التصنيف سواء على مستوى المنطقة العربية او مناطق العالم الاخرى.
تداعيات التخفيض
يرى فؤاد علاء الدين الشريك المسؤول في مؤسسة برايس وترهاوس كوبرز بان وكالات التصنيف الائتماني الاميركية لن تجرؤ على تخفيض تصنيفاتها الائتمانية للولايات المتحدة لان تداعيات اي تخفيض قد تقوم به تلك الوكالات سيكون وقعه سيئا جدا على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي بشكل عام وخاصة ان الكثير من دول العالم اقتصادياتها مرتبطة بشكل وثيق باداء الاقتصاد الاميركي ناهيك عن ارتباط عملاتها بالدولار الاميركي بما فيها المنطقة العربية.
ويؤكد علاء الدين ان ارتفاع صوت الاوروبيين للمطالبة لتوجه بضرورة ولادة وكالة اوروبية للتصنيف الائتماني للخروج من تحت عباءة هيمنة وكالات التصنيف الاميركية هو توجه صحي كما يرى علاء الدين بان الوقت قد حان ايضا لولادة وكالات تصنيف ائتماني عربية مستقلة تمتلك إلماما بخصوصية وطبيعة الاقتصاديات العربية ويرى فؤاد علاء الدين بان الوقت قد حان لتأسيس وكالات تصنيف عربية مستقلة مضيفا بان تاسيس هذا النوع من وكالات التصنيف يحتاج إلى حصولها على مصداقية من دول العالم الاخرى قائلا ان تحقيق ذلك مرتبط بشكل كبير بعامل الوقت فحصول وكالات التقييم على المصداقية امر يحتاج تحقيقه لوقت طويل ومصداقية داعيا إلى البدء في تبني هذا التوجه. ويقول فؤاد علاء الدين بان الاستقالية تعد اكبر مشكلة تواجهها وكالات التصنيف الائتماني الاميركية والتي تعتمد تصنيفاتها إلى حد كبير على خدمة عملائها ومصالحهم وبالتالي مصالح تلك الوكالات المرتبطة بهؤلاء العملاء ويرى انه اذا ما استطاع العالم العربي او العالم الاسيوي او الاوروبي تلافي السلبيات التي ترتبط بوكالات التصنيف الائتماني الاميركية من خلال ولادة وكالات تصنيف تحقق الاستقلالية وقادرة على اكتساب المصداقية فستكون قادرة على خلق مناخ صحي في العالم لا تسيطر عليه وكالات تصنيف بعينها قراراتها التصنيفية تحكمها المصالح وليس الاستقلالية. وبحيث تكون قادرة على تصنيف الوضع الائتماني للدول والشركات والسندات بشكل حيادي وشفاف ومستقل.
تصنيفات خاطئة
ويقول فؤاد علاء الدين إن وكالات التصنيف الائتماني شاركت في اندلاع الازمة المالية العالمية لان تصنيفاتها للادوات المالية كان عاليا قبل الازمة وهذا كان مخالفا لما كانت عليه وضعية تلك الادوات في واقع الامر وبالتالي تعرضت تلك الوكالات إلى ضغوط كبيرة بعد اندلاع الازمة وبكونها ضلعت في ولادة ازمة من هذا النوع وبسبب ذلك اصبحت اليوم وكالات التصنيف الائتماني اكثر تحفظا في تقييماتها وانطلاقا من هذا المبدأ فهي تنظر عن قرب للديون السيادية والوضع المالي لدول العالم ورأيناها تخفض تقييماتها لدول مثل اليونان وايرلندا ..الخ بسبب الاوضاع المالية في تلك الدول.
الديون المتعاظمة
من جانبه يقول عبدالجليل درويش الخبير المصرفي إن الديون الاميركية المتعاظمة والتي وصلت لنحو 14.5 تريليون دولار والعجز الكبير في الميزانية الاميركية ليس بالامر الجديد حيث كانت وكالات التصنيف الائتماني الاميركية كانت على علم بوجود تلك الديون المتراكمة والمتعاظمة، حيث ان اجمالي الديون الاميركية تجاوز او ربما اقتربت من اجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة الاميركية خلال السنوات العشر الاخيرة ولكن ما حصل هو ان ازمة الديون لم تعد في صندوق مغلق وانما طفت للسطح كون ان الولايات المتحدة كان يتوجب عليها سداد تلك الديون في تواريخ محددة وبالتالي لم يكن هناك بد سوى ان تطفو ازمة الديون للنقاش في الكونغرس الاميركي لايجاد حل بشأنها للحفاظ على تماسك اكبر اقتصاد في العالم.
ويرى درويش انه ليس من مصلحة الاقتصاد الاميركي ولا حتى الاقتصاد العالمي ان تخفض وكالات التصنيف الائتماني من توقعاتها الائتمانية للاقتصاد الاميركي وخاصة ان اقتصاديات كثيرة في العالم مرتبطة بالاقتصاد الاميركي إلى جانب تثبيت الكثير من دول العالم لعملاتها مقابل الدولار الاميركي وبالتالي أي أذى يلحق بالاقتصاد الاميركي سيلحق الأذى بالاقتصاد العالمي.
ويتفق عبدالجليل درويش بأن الوقت قد حان لولادة وكالات تصنيف ائتمانية اخرى في العالم سواء في اسيا او المنطقة العربية او مناطق اخرى من العالم واصفا ولادة من هذا النوع بالتوجه الصحي بشرط ان تكون تلك الولادات مستقلة وتتمتع بشفافية وتكون قادرة على اكتساب مصداقية العالم.


