ارتفعت حرارة القلق في الأسواق العالمية، بعدما انهارت المحادثات التي دارت بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وزعماء الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالكونغرس بشأن رفع سقف الدين العام للولايات المتحدة مؤخراً بانسحاب الجمهوريين، وذلك مع اقتراب الموعد النهائي المقرر في 2 أغسطس المقبل لحل الأزمة قبل أن تدخل البلاد في احتمالية التخلف عن سداد الديون في نهاية المطاف. وتزايد هذا القلق لدى الصين التي تعتبر أكبر الخاسرين من تخلف واشنطن عن سداد ديونها.

حيث يعد العملاق الصيني الأصفر الدائن الأكبر للولايات المتحدة وتملك بكين سندات خزانة أميركية وأصولا مقومة بالدولار الأميركي تصل قيمتها الإجمالية إلى حوالي 1.2 تريليون دولار أميركي.

ولا تبدو في الأفق أيضا تسوية وشيكة للأزمة، إذ يتمسك كلا الحزبين بطريقته الخاصة لحلها. فيرى الجمهوريون أن الحل الأنسب هو خفض العجز على مرحلتين على مدار 10 سنوات تشمل المرحلة الأولى رفع سقف الدين أشهر قليلة فقط، ما يعني احتمال أن تثار القضية مرة أخرى في أوائل العام المقبل. فيما يرى الديمقراطيون انه من الأفضل خفض العجز دفعة واحدة على مدار العقد المقبل ولكن بزيادة سقف الدين بما يتجاوز مرحلة انتخابات الرئاسة والكونغرس المقررة في نوفمبر 2012.

وأعلن انهيار المحادثات الرئيس الأميركي بنفسه قبل يومين، وحذر من أن عدم التوصل إلى حل للمشكلة أمر يضر بشدة بالاقتصادين الأميركي والعالمي. ويرى خبراء أن هذه الأزمة تؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار الأميركي، وان الصين ستكون اكبر الخاسرين.

 

قيمة الدولار

وإذا رفعت واشنطن سقف الدين العام الأميركي الذي تم تحديده قانونياً، فيسفر هذا عن استمرار ارتفاع قيمة الدين ما يؤدى إلى زيادة الأزمة سوءا على الأمد البعيد وبالتي تعمد وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الولايات المتحدة مثلما فعلت «ستاندرد أند بورز» مؤخراً حين خفضت التصنيف من «مستقر» إلى «سلبي». ونتيجة لهذا تزداد شكوك الأسواق الدولية إزاء مصداقية سداد الديون الأميركية، وبالتالي يبتعد المستثمرون عن الأصول المقومة بالدولار الأميركي وتبدأ عمليات بيع كبيرة للعملة الأميركية وتنخفض قيمتها في نهاية المطاف.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «شانغهاى سكيوريتيز نيوز» الاقتصادية الصينية عن خبير صيني بارز قوله أن الحكومة الأميركية لم تختر حتى الآن الحل الفعال لخفض العجز في الميزانية والديون المستحقة عليها، ما سيؤدي إلى ظهور أزمة ديون طويلة الأمد. وسوف يستمر انخفاض قيمة الدولار على الأمد البعيد طالما استمرت الأزمة.

 

اقتصاد الصين

وبمجرد الحديث عن تأثير التخلف عن سداد الديون الأميركية على اقتصاد الصين، يشير كثير من الخبراء إلى الاستثمارات الصينية في سندات الخزانة الأميركية لأن الدولة الواقعة في شرق آسيا تعد الدائن الأكبر للولايات المتحدة وتملك سندات خزانة أميركية وأصولاً مقومة بالدولار الأميركي تصل قيمتها الإجمالية إلى حوالي 1.2 تريليون دولار أميركي.

ويرى تشاو شي جون، نائب عميد كلية الشئون المالية التابعة لجامعة الشعب الصينية الحكومية، انه في ظل الوضع الحالي، من غير المرجح عدم التوصل إلى حل وسط بين الحكومة الأميركية والكونغرس بشأن رفع سقف الدين الأميركي. ولا يمكن استبعاد احتمال فشل الجانبين في التوصل إلى اتفاق.. وهذا يعني أن كثيراً من ديون الولايات المتحدة للصين لا يمكن سدادها.. وقد تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام احتياطاتها من الذهب مثلما اضطرت دول أوروبية عانت من أزمة ديون سيادية إلى بيع بعض الأصول. ومن المعروف أن الولايات المتحدة تملك اكبر احتياطي من الذهب في العالم والذي يصل إلى ما يزيد على 8000 طن.

 

احتمالات أخرى

وترى وجهة نظر أخرى أن الولايات المتحدة لن تلجأ إلى استخدام احتياطاتها من الذهب إذا كان هذا هو الملاذ الوحيد مع تواصل الخلاف. ونتيجة لذلك، قد يضطر الجانبان إلى التوصل إلى حل وسط للمشكلة برفع سقف الديون المحدد بـ 14.29 تريليون دولار أميركي. ووفي هذه الحالة لا بد للولايات المتحدة أن تزيد من إصدار السندات، ما يعنى زيادة كمية في العملة الأميركية. وهو إجراء يؤدى إلى انخفاض قيمة الدولار. وبالتالي، تواجه احتياطيات النقد الأجنبي الكبيرة بالصين خطر تراجع قيمتها.

وقالت تشن فونغ اينغ، رئيسة معهد الاقتصاد العالمي التابع لمعهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، قالت لوكالة الأنباء الصينية «شينخوا»، إن الصين بصفتها صاحبة أكبر احتياطيات نقد أجنبي في العالم وأكبر دائن للولايات المتحدة، ستكون اكبر الخاسرين إذا تخلفت واشنطن عن سداد ديونها، وأكدت أن اقتصادات الصين والدائنين الآخرين للولايات المتحدة سوف تواجه خطر الانكماش بدرجات متفاوتة، بل أن الأخطر من ذلك هو التأثير السلبي للازمة على السياسات الاقتصادية للبلدان الناشئة، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من التدهور في البيئة الاقتصادية العالمية.

 

تغيير النموذج التنموي

وذكر الدكتور تشانغ مينغ، نائب مدير مكتب البحوث المالية بمعهد الاقتصاد والسياسة الدولية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أن فشل المفاوضات بين الجانبين يدق ناقوس الخطر للصين ويحثها على تغيير نموذجها التنموي والإسراع في خفض الاعتماد على الدولار الأميركي، فضلاً عن تنويع الاستثمارات بالدول الأخرى. كما أن التوصل إلى حل وسط مؤقت ليس بالضرورة خبرا جيدا بالنسبة للصين، وفق ما ذكر الخبير، إذ تبقى الصين تواجه خطر تخلف واشنطن عن السداد على الأمدين المتوسط أو الطويل.

وعلى الأمد القصير، فإن سياسة الولايات المتحدة سوف تؤدى إلى انخفاض قيمة الدولار الأميركي، ما يشكل تأثيراً سلبياً على الاستثمارات الصينية والصادرات الصينية للخارج.

ويرى وان جون، الخبير الاقتصادي بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أنه من الصعب بالنسبة للولايات المتحدة مواصلة الالتزام بنموذج التنمية القائم وأنماط الاستهلاك الحالية، ويجب عليها تنفيذ التحول الاقتصادي. وأكد أيضاً انه يجب على الصين تسريع تغيير نمط التنمية الاقتصادية، ولا سيما تنويع احتياطيات النقد الأجنبي، فضلاً عن توسيع قنوات استخدام احتياطيات النقد الأجنبي، من اجل تجنب الإفراط في تراكم احتياطيات النقد الأجنبي.

وصرح الخبير المالي الصيني تشاو شي جون لوكالة الأنباء «شينخوا» بأن تخلف واشنطن عن سداد ديونها أو خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة يؤديان إلى أزمة اقتصادية أخرى لا تؤثر في الانتعاش الاقتصادي الأميركي الهش أصلاً فحسب بل على انتعاش الاقتصاد العالمي بأسره. يذكر أن أزمة الديون الأميركية دفعت المستثمرين إلى تجنب المخاطر على الصعيد العالمي.

وفى الأسبوع الحالي، تراجعت قيمة الدولار الأميركي إلى مستوى قياسي جديد فيما ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، كما هوت أسعار الأسهم في أسواق المال العالمية.