أطلق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أنكتاد» بالتعاون مع المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات «ضمان»، تقرير الاستثمار العالمي للعام 2011، الذي أشار الى أن تلك التدفقات لم تستعد بعد مستوياتها المحققة خلال فترة ما قبل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، خلال العام 2011، إلا أن التقرير عاد ليرجح معاودة تلك التدفقات لمستويات ما قبل الأزمة خلال العام 2011. وهو ما يمثل فرصة وتحدياً في نفس الوقت أمام واضعي السياسات في كافة الدول حول العالم، بشأن كيفية دفع الاستثمار في اتجاه بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية.
ويشير التقرير إلى أنه على الرغم من ارتفاع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً لتبلغ 1.24 تريليون دولار خلال العام 2010 أو بمعدل نمو بلغ نحو 5%، إلا أنها تظل أقل من مستوياتها المحققة خلال فترة ما قبل الأزمة بمعدل 15% بالمتوسط. الأمر الذي يتعارض مع معدلات نمو الإنتاج الصناعي العالمي والتجارة العالمية، حيث استعاد كلاهما مستويات ما قبل الأزمة.
توقعات 2011 2013
ويشير التقرير إلى أن التقديرات الأولية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً ترجح انتعاشها إلى مستوى ما قبل الأزمة خلال عام 2011، لتتراوح الزيادة ما بين 1.4-1.6 تريليون دولار، ولتبلغ نحو 1.7 تريليون دولار عام 2012، وصولاً إلى، 1.9 تريليون دولار، خلال عام 2013 قرب مستوياتها القياسية المحققة خلال العام 2007 بشرط عدم حدوث أية صدمات اقتصادية عالمية غير متوقعة قد تنشأ عن بعض عوامل المخاطر الباقية، والتي قد تحول دون تحقيق هذا السيناريو الايجابي.
وقد تباينت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للعام 2010 بدرجة شديدة سواء من حيث نمط الاستثمار أو التوزيع الجغرافي في ما بين الأقاليم الاقتصادية. ففي حين شهدت دول منطقة شرق وجنوب شرق آسيا ودول أميركا اللاتينية نمواً قوياً في تلك التدفقات بمعدل 34% و14% على التوالي، تراجعت التدفقات إلى دول القارة الإفريقية ودول جنوب آسيا وغرب آسيا، إضافة إلى دول الاقتصادات المتحولة. وبينما استعادت التدفقات إلى قطاع الصناعات التحويلية انتعاشها، مازال قطاع الخدمات يعاني من تراجع التدفقات الموجهة إليه.
ومن جهة أخرى، سجل إجمالي قيمة صفقات الاندماج والتملك عبر الحدود الدولية ارتفاعاً بمعدل 36% خلال العام 2010، بينما استمرت الاستثمارات التي تأخذ شكل المشاريع الجديدة والتي تمثل الجزء الأكبر من تلك التدفقات، في تراجعها خلال العام 2010.
نجاحات جديدة
ولأول مرة، تنجح مجموعتا الدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة في استقطاب تدفقات تفوق نصف الإجمالي العالمي، حيث اجتذبت 642 مليار دولار وبحصة 52% من الإجمالي العالمي. ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى انتقال وجهة الإنتاج الدولي والاستهلاك العالمي نحو مجموعتي الدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة في الآونة الأخيرة، ما دفع الشركات عبر الوطنية لتوجيه استثماراتها بصورة متزايدة إلى تلك الدول. ومن جهة أخرى، تراجعت التدفقات المتجهة إلى الأقاليم الاقتصادية الأكثر فقراً والأقل نمواً، مثل؛ الدول الإفريقية، والدول النامية غير الساحلية ودول الجزر الصغيرة، الأمر الذي يثير قلقاً بالغاً.
وعلى الجانب الآخر، نجحت أيضاً مجموعتا الدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة في تصدير نحو 30% من إجمالي التدفقات الصادرة عالمياً، وبلوغها مستوى قياسياً بنحو 388 مليار دولار، منها حصة كبيرة ذهبت إلى دول نامية أخرى. الأمر الذي يعكس تنامي ثقة وديناميكية الشركات عبر الوطنية التي تعمل في دول الأسواق الناشئة ويدل على الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها هذه الاقتصادات كمصادر للاستثمار الدولي.
انخفاض التدفقات للمنطقة
وأظهر التقرير انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة إلى الدول العربية (21 دولة) بمعدل 13.2% إلى 66.2 مليار دولار عام 2010 مقارنة مع 76.2 مليار دولار عام 2009 وهو ما يتفق مع بيانات تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية لعام 2010 الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات «ضمان»، في أوائل شهر يوليو 2011، والذي أشار إلى تراجع التدفقات الواردة إلى الدول العربية (18 دولة) خلال العام 2010 إلى 64.3 مليار دولار.
وأشار التقرير إلى أن التدفقات الوافدة إلى الدول العربية (21 دولة) تمثل 5.3% من الإجمالي العالمي البالغ 1.24 تريليون دولار، 11.5% من إجمالي الدول النامية البالغ 573.6 مليار دولار. وكانت حصة الدول العربية من إجمالي التدفقات العالمية قد شهدت تذبذباً خلال الفترة الماضية، حيث تراجعت بشكل طفيف من 4.8% عام 2006 إلى 4.1% عام 2007 ثم عاودت الارتفاع إلى 5.7% عام 2008 قبل أن تقفز بقوة إلى 6.4% عام 2009، ثم انخفضت لتبلغ 5.3% عام 2010.
تباينات
وتشير بيانات التقرير إلى ارتفاع التدفقات الواردة إلى 5 دول عربية فقط (لبنان، ليبيا، سلطنة عمان، الصومال وموريتانيا)، فيما تراجعت في 16 دولة (السعودية، مصر، قطر، الإمارات، الجزائر، الأردن، السودان، تونس، العراق، سوريا، المغرب، البحرين، فلسطين، الكويت، جيبوتي واليمن). وأوضح التقرير أن السعودية حلت في المرتبة الأولى عربياً كأكبر دولة مضيفة للاستثمارات الأجنبية المباشرة بتدفقات بلغت 28.1 مليار دولار وبحصة بلغت 42.5% من الإجمالي العربي، تلتها مصر في المرتبة الثانية بقيمة 6.4 مليارات دولار وبحصة 9.6%، ثم قطر في المرتبة الثالثة بقيمة 5.5 مليارات دولار وبحصة 8.4%.
التدفقات الصادرة
أما في ما يتعلق بإجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي الصادرة من الدول العربية، فقد أشار التقرير إلى أنها شهدت تراجعاً حاداً، للعام الثاني على التوالي، لتصل إلى 14.6 مليار دولار خلال عام 2010، أي بانخفاض بنسبة 46.6% مقارنة بنحو 27.3 مليار دولار عام 2009. وانخفاض بمعدل 68.6% خلال عام 2010 مقارنة بنحو 46.4 مليار دولار عام 2008.
ويعزى هذا التراجع في التدفقات الصادرة، بدرجة كبيرة إلى انخفاض ملحوظ في قيمة عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود، نتيجة لنزوع الشركات المستثمرة في المنطقة إلى تجنب مخاطر الاستثمار في الخارج من جراء الأزمة العالمية.
ومن المتوقع أن تؤدي الاضطرابات السياسية في المنطقة إلى انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر من الدول العربية كنتيجة توجه الحكومات بتوجيه المزيد من الاستثمارات في اقتصاداتها المحلية، وزيادة الإنفاق في المشاريع التنموية والاجتماعية كوسيلة لاحتواء سقف الطلبات الشعبية المرتفع. وعلى الرغم من ذالك فقد ارتفعت التدفقات الصادرة من 11 دولة عربية (السعودية، ليبيا، مصر، المغرب، البحرين، سلطنة عمان الجزائر، اليمن، السودان، سورية وفلسطين)، فيما تراجعت من 7 دولة (الكويت، الإمارات، قطر، لبنان، تونس، العراق والأردن)، بينما استقرت التدفقات الصادرة من موريتانيا عند نفس مستواها.
وقد حلت السعودية في المرتبة الأولى عربياً كأكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة بتدفقات بلغت 3.9 مليارات دولار وبحصة 26.8% من الإجمالي العربي، تلتها الكويت في المرتبة الثانية بقيمة 2.1 مليار دولار وبحصة 14.2%، ثم الإمارات في المرتبة الثالثة بقيمة 2.0 مليار دولار وبحصة 13.8%.
توسع الإنتاج العالمي
وقد شهد العام 2010 توسعاً في الإنتاج العالمي ساهم في زيادة المبيعات والعمالة وأصول الشركات عبر الوطنية في جميع أنحاء العالم، حيث بلغت القيمة المضافة المتولدة نحو 16 تريليون دولار أو ما يقرب من ربع إجمالي الناتج المحلي العالمي. كما ساهمت الشركات التابعة للشركات عبر الوطنية بما حصته أكثر من عشر الناتج المحلي الإجمالي العالمي وثلث صادرات العالم.
ولعبت الشركات عبر الوطنية المملوكة للحكومات، التي تجاوز عددها 8,500 شركة تابعة في الدول المتقدمة والنامية، دوراً بارزاً في حركة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم. فعلى الرغم من أنها تشكل أقل من 1% من عدد الشركات عبر الوطنية على المستوى العالمي، إلا أنها ساهمت بما نسبته 11% من التدفقات الصادرة عالمياً خلال العام 2010.
ولقد نمت الأهمية النسبية للشركات عبر الوطنية المملوكة للحكومات الآسيوية، ولكن يظل الاتحاد الأوروبي أكثر المناطق الاقتصادية التي تضم شركات عبر وطنية حكومية (يتجاوز عددها 260 شركة من أصل 650 شركة في جميع أنحاء العالم). ويتركز نشاطها في؛ القطاع الخدمي (455 شركة)، وخاصة شركات احتكار صناعات البنى التحتية مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية، القطاع المالي (126 شركة)، بما في ذلك الشركات التي نتجت عن عمليات الإنقاذ الحكومية خلال الأزمة المالية.
تعاظم الاهتمام بأنماط الإنتاج والتنمية الممولة بأدوات مالية بخلاف حقوق الملكية
ركز تقرير الاستثمار العالمي للعام 2011 في محوره الرئيسي هذا العام على أنماط الإنتاج والتنمية الدولية تمويلاً بأدوات مالية بخلاف أدوات حقوق الملكية (Non-equity Modes of International Production and Development NEMs).
وقد حظيت هذه الأنماط باهتمام متزايد من الشركات عبر الوطنية لما لها من أهمية في توفير فرص للدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة للاندماج بدرجة أقوى التطورات المتسارعة للاقتصاد العالمي، وتعزيز إمكانات تنمية الطاقة الإنتاجية المحلية وتحسين قدرتها التنافسية الدولية.
بما يفرض على صناع القرار النظر لتلك الأنماط بالإضافة للاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة، ودورها الكبير الذي تلعبه والتي تتمثل في التصنيع التعاقدي، والاستعانة بمصادر خارجية لتقديم الخدمات (تعهيد الخدمات)، والزراعة التعاقدية، ومنح الامتيازات، ومنح التراخيص، وعقود الإدارة، وأنواع أخرى من العلاقات التعاقدية المختلفة التي تمكن الشركات عبر الوطنية لتنسق أنشطة شركات البلد المضيف، دون أن تمتلك نصيباً في رأس المال في هذه الشركات.
وقد شهدت أنماط الإنتاج والتنمية الدولية تمويلاً بأدوات مالية بخلاف أدوات حقوق الملكية (NEMs) نشاط كبير عبر الحدود في جميع أنحاء العالم لاسيما في الدول النامية.
ويقدر أن مبيعاتها حققت أكثر من تريليوني دولار خلال عام 2009. تمثلت في 1.1-1.3 تريليون دولار من عقود التصنيع والاستعانة بمصادر خارجية للخدمات، و330-350 مليار دولار للامتيازات، و340-360 مليار دولار للتراخيص، وعقود الإدارة نحو 100 مليار دولار. وفي معظم الحالات، نجد أن نمو أدوات مالية بخلاف أدوات حقوق الملكية تنمو بسرعة أكبر من الصناعات التي تعمل فيها.
ويلاحظ أن أنماط الإنتاج والتنمية الدولية تمويلاً بأدوات مالية بخلاف أدوات حقوق الملكية (NEMs) تعود بفوائد عدة، ومن أهمها أنها تضع ترتيبات مرنة مع الشركات المحلية، وتحفز الشركات عبر الوطنية للاستثمار في شركائها المحليين من خلال نشر التكنولوجيا والمعرفة والمهارات.
وتمنح هذه الفوائد الاقتصادات المضيفة إمكانية كبيرة على المدى الطويل لبناء القدرات الصناعية من خلال عدد من قنوات التنمية الرئيسية مثل توليد فرص عمالة وأوضاع العمل، توليد القيمة المضافة والروابط المحلية، توليد الصادرات، نقل التكنولوجيا والمهارات، نقل أفضل الممارسات الاجتماعية والبيئية الدولية، بناء ودعم تنمية القدرات الصناعية في الأجل الطويل، علماً بأن هذه الأدوات وفرت فرص عمل لنحو 14-16 مليون شخص في الدول النامية.
