دفعت مخاوف انتقال عدوى ديون اليونان قادة مجموعة دول اليورو لضخ 160 مليار يورو في الاقتصاد اليوناني المتهالك رغم استمرار المخاوف من تخلف اثينا عن تسديد مستحقاتها. لكن التسوية ستكلف منطقة اليورو غالياً وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون أن الخطة ستؤدي إلى نتيجة غير مباشرة تتمثل بزيادة ديون فرنسا بنحو 15 مليار يورو حتى 2014.

وبعد عشر ساعات من المفاوضات خلال قمة في بروكسل، اتفق قادة دول الاتحاد النقدي على نص يقضي بخفض الديون اليونانية التي تبلغ حاليا نحو 350 مليار يورو، واشراك المصارف في هذه الخطة. واعلن رئيس الوزراء اليوناني بعد اجتماع الازمة هذا ان حجم الدين سينخفض بمقدار 26 مليار يورو في نهاية 2014. وأثار الاتفاق ارتياحا حذراً في اوساط المال. فقد اعلن وزير المال الياباني يوشيهيدو نودا ان بلده مستعد لشراء مزيد من السندات من الصندوق الاوروبي للاستقرار المالي اذا احتاج الامر.

وبانتظار تطورات جديدة، رحبت اسواق المال الاسيوية بتبني الخطة. فقد اغلقت بورصة طوكيو على ارتفاع قدره 1,22 بالمئة بينما كسبت بورصة سيدني 1,09 بالمئة وسيول 1,11 بالمئة. اما اليورو، فقد سجل ارتفاعا كبيرا مقابل الدولار متجاوزا ال1,44 للدولار الواحد. وكانت اسواق المال الاوروبية ثم وول ستريت رحبت بالخطة، فور علمها بالخطوط العريضة لمشروع الاتفاق الاوروبي. وفي اليونان، رحبت الصحف بتبني الخطة معتبرة انها سترة نجاة لليونان.

 

خطة أكبر

وقرر قادة اليورو العمل على انقاذ اليونان بالخطة الجديدة التي جاءت قيمتها اكبر مما كان متوقعا واكثر من قيمة الخطة الاولى التي اقرت على عجل في ربيع 2010 وبلغت قيمتها 110 مليارات يورو. وهذه الخطة الثانية التي تستمر حتى نهاية 2014 ستتألف في التفاصيل من 109 مليارات يورو من القروض من اوروبا وصندوق النقد الدولي، وان كان لم يقرر بعد كيف سيقسم المبلع بين الطرفين.

اما ما تبقى من قيمة الخطة فيفترض ان يأتي من المصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار مستجيبة بذلك طلب المانيا الذي اثار جدلا كبيرا وانقسامات بين الاوروبيين. ولاسباب سياسية، سعت برلين الى اشراك المصارف في الخطة الثانية للمساعدة. لكن هذا الطلب اثار قلقا كبيرا لانه يمكن ان يؤدي الى تخلف اليونان عن تسديد مستحقات مما يؤدي الى نتائج كارثية على اقتصاد هذا البلد. ووافق معارضو هذا الخيار وعلى رأسهم البنك المركزي الاوروبي على الطلب. وقال دبلوماسي ان قادة منطقة اليورو وافقوا ضمنا على احتمال تخلف في تسديد جزء من الدين اليوناني لكنه لا يستمر اكثر من بضعة ايام.

 

مواجهة حادة

وأثارت مسألة مساهمة المصارف مواجهة حادة بين برلين مدعومة من هولندا وفنلندا من جهة، والمصرف المركزي الاوروبي ومعه فرنسا وعدد من الدول الاخرى من جهة اخرى. وسبب هذا الخلاف توترا في الاسواق واضطرابات كادت تدخل ايطاليا التي تعاني من ديون كبيرة هي ايضا، في عاصفة ازمة الديون.

ورحب رئيس البنك المركزي الاوروبي جان كلود تريشيه الذي كان يعارض هذا الحل، بخطة المساعدة الجديدة مؤكدا انها حاسمة لضمان استقرار الاقتصاد اليوناني. الا انه لم يستبعد تخلف اثينا عن الدفع، الامر الذي كان يرفضه من قبل.

وقال معترفا: قدمنا حججنا لكنهم لا يصغون الينا احيانا. وعبر عن ارتياحه لان مشاركة القطاع الخاص في خطة المساعدة ستقتصر على اليونان وحدها وغير مطروحة لدول اخرى في منطقة اليورو. الا ان تريشيه حصل على تنازل كبير. فمنطقة اليورو وافقت على ان تشتري بنفسها ديون بلد متعثر في الاسواق عن طريق صندوق الانقاذ المالي للتخفيف عن المصارف التي تملك مبالغ كبيرة من هذه الديون. وكان المصرف المركزي الاوروبي من قبل الجهة الوحيدة المخولة ذلك.

 

قروض وقائية

وسيتمكن الصندوق ايضا من تقديم قروض وقائية لمنع دول ضعيفة من السقوط في ازمة الدين. ورأى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في هذه الخطوة بداية لصندوق نقد اوروبي. وقال ساركوزي: ندرك الجهود المطلوبة من اليونانيين وكل دول منطقة اليورو قررت الوقوف الى جانبهم. لا يمكننا ان نتخلى عن بلد عضو في منطقة اليورو عندما يلتزم ببرنامج اصلاح.

وعنونت صحيفة تا نيا الحكومية: خطة مارشال جديدة لليونان، بارقة امل معتبرة في افتتاحيتها أنه على الرغم من التأخير الكبير، قدمت اوروبا حلا شجاعا يبعد خطر تخلف اليونان ويحمي اليورو في الوقت نفسه. اما الصحيفة الاقتصادية نافتينبوريكي فقالت إن القرارات التي اتخذت في بروكسل مهمة خصوصا لحماية اليونان التي ستوضع مع ذلك تحت بند التخلف الجزئي عن السداد.

ورأت صحيفة اثنوس يسار الوسط انها خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح لكن تطبيق الخطة سيكون صعبا وقاسيا ويتطلب ضمانات مهمة من اليونان. من جهتها، عبرت صحيفة كاثيميريني الليبرالية عن ارتياحها للخطة لكنها اكدت على ضرورة مواصلة الاصلاحات في البلاد وتطبيق خطة الخصخصة ومكافحة هدر المال العام. واخيرا اعتبرت صحيفة ايليفثيروتيبيا اليسارية منتقدة ان اليونان ستجتاز نفقا لمدة ثلاثين عاما وستخضع لرقابة دولية مع خطر تخلفها عن دفع مستحقات جزئيا.

وقالت الصحيفة ان خطر عدوى الازمة لم يبعد لكن القرارات ترتدي اهمية كبيرة لليونان. واضافت ان السؤال هو هل ستسمح هذه القرارات بحل الازمة ام ستؤدي الى اطالتها أم لا. ورأت ان اصرار المانيا على اشراك القطاع الخاص سيكون له ثمن كبير وستدفع اليونان فوائد كبيرة.

 

تبعات كبيرة

وقال رئيس الوزراء الفرنسي في ختام اجتماع مع كبار المسؤولين في البرلمان الفرنسي حول تبعات قمة منطقة اليورو في بروكسل: ليس لهذه القرارات كلفة مباشرة على ماليتنا العامة. واضاف أن هناك كلفة غير مباشرة لأن فرنسا ستاشرك عبر تقديم ضمانات لقروض سيقر صندوق الاستقرار الاوروبي منحها الى اليونان. وتابع: سيكون لذلك تاثير غير مباشر وهي زيادة مستوى ديننا حتى العام 2014، بحسب اضافة الضمانات، بحوالى 15 مليار يورو. واكد الوزير الفرنسي لاحقا مكن تقدير الالتزام الفرنسي ب15 مليار يورو حتى 2014.

وبلغ الدين العام الفرنسي مع نهاية الفصل الاول 1646,1 مليار يورو اي 84,5% من اجمالي الناتج الداخلي. واعتبر رئيس الوزراء الفرنسي ان الاتفاق يشكل "مرحلة محورية في تاريخ منطقة اليورو" مشددا على "الدور الرئيسي" للثنائي الفرنسي-الالماني "محور الاستقرار في منطقة اليورو". وتهدف فرنسا الى تخفيض عجزها العام ما دون 3% من اجمالي الناتج الداخلي مع العام 2013. الوكالات

 

 

تفاصيل التمويل

أعطى رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني تفاصيل للخطة البالغ حجمها 160 مليار يورو. وقال إن 110 مليارات يورو من القروض ستقدمها اوروبا وصندوق النقد الدولي، والباقي، 50 مليار يورو، من مساهمة القطاع الخاص الدائن لليونان.

ومن اصل هذا المبلغ الاخير، ستأتي 37 مليار يورو من "مساهمة طوعية" من مصارف دائنة بينما سيتم شراء 12 مليار يورو من الديون في السوق. وبموازاة هذه الخطة وعلى المدى البعيد تعهدت المصارف الخاصة بتقديم مساعدة كبيرة تبلغ بحسب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي 135 مليار يورو على مدى ثلاثين عاما.

وقال ساركوزي: في الاجمال، سيبلغ الجهد 135 مليار يورو على مدى ثلاثين عاما للجهات الدائنة فقط في القطاع الخاص في اليونان. واكد ساركوزي ان قادة منطقة اليورو برهنوا عن التزام حازم لمصلحة اليونان اثناء قمتهم. ومن جهته اعلن رئيس الاتحاد الاوروبي هيرمان فان رومبوي ان صندوق النقد الدولي سيشارك في تمويل خطة مساعدة جديدة في اليونان.