واصلت دائرة مخاطر الديون الأوروبية اتساعها، أمس، حيث أثارت بريطانيا وفنلندا وايرلندا مخاوف حقيقية. وأشارت بيانات إلى أن ديون بريطانيا وصلت إلى 3 تريليونات دولار كما أعلنت وكالة موديز خفض التصنيف الائتماني لايرلندا إلى درجة عالية المخاطر. ولم تتردد الاسواق في الرد، فقد تجاوزت معدلات الفائدة التي يريدها المستثمرون لاقراض دبلن على عشر سنوات الـ13 بالمئة في أعلى مستوى يسجل منذ انشاء منطقة اليورو في 1999.

وتزايدت المخاوف الأوروبية ورأى حاكم المصرف المركزي الايطالي ماريو دراغي الرئيس المقبل للبنك المركزي الاوروبي، ان المشكلة عامة. وقال إن الملاءة المالية للدول التي تتمتع بالسيادة لم تعد امراً مفروغاً منه بل يجب اكتسابه عملياً. وأثار تقرير لصندوق النقد حول ألمانيا مخاوف جديدة، حيث حذر الصندوق من المالية الألمانية، وقال إن البنوك الألمانية ما زالت عالية الاستدانة، وتحقق ربحية منخفضة، والبنوك الكبيرة لا تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على التمويل من السوق.

 ضغط كبير

وتتعرض أوروبا لضغط كبير من اجل وقف انتشار ازمة الديون بعد خفض تصنيف ايرلندا، إذ تجري مشاورات على اعلى مستوى لتجاوز الانقسامات بشأن مساعدة اليونان. وقال وزير المالية البريطاني جورج اوزبورن في بيان نشره مكتبه في بروكسل، إن الوقت قد حان للقيام بتحركات حاسمة لمواجهة الأزمة في منطقة اليورو، وتجنب حدوث اضرار حقيقية للاقتصاد العالمي، بسبب قلق الاسواق. ومن جهتها، قالت وزيرة المال الفنلندية الجديدة يوتا اوربيلاينن، إن هناك خطراً حقيقياً في اتساع هذه الأزمة، وعلينا ان نفعل ما بوسعنا لمنع ذلك.

ويواجه الاتحاد النقدي مشاكل لا تنتهي. فبعد بدء انتقال عدوى الأزمة الى ايطاليا واسبانيا، خفضت وكالة موديز للتصنيف الائتماني علامة الدين لايرلندا التي اصبحت استثماراً ينطوي على مجازفة كبيرة. لذلك اصبحت تسوية المشكلة التي سببت الحمى الحالية أمراً ملحاً، أي وضع اللمسات الأخيرة على البرنامج الثاني للقروض الموعودة لأثينا لحماية هذا البلد حتى منتصف أو نهاية 2014. واكد وزير المال البلجيكي ديدييه رييندرز في لصحيفة «لوسوار» ان دول الاتحاد النقدي تعهدت بعدم السماح بسقوط اليونان أو أي بلد آخر.

 مساع متواصلة

ويسعى رئيس الاتحاد الاوروبي هرمان فان رومبوي، لانتزاع قرار حول اليونان، ويفكر لتحقيق ذلك بالدعوة الى قمة لقادة دول الاتحاد النقدي الجمعة، كما قال عدد من الدبلوماسيين. واوضحوا ان المشاروات في هذا الشأن مستمرة لسبر امكانية التوصل الى اتفاق كاف. وقال مصدر قريب من المشاورات إن فان رومبوي، يسعى الى تسريع برنامج القرارات عبر دعوته الى قمة. ومن جهته، صرح دبلوماسي اوروبي ان «فرنسا تؤيد الدعوة الى هذه القمة» بسرعة.

لكن متحدثة باسم الحكومة الالمانية قالت إنه «ليس هناك خطة عملية لعقد قمة» استثنائية لمنطقة اليورو حول اليونان، كما يطلب رئيس الاتحاد الاوروبي وفرنسا. واوضحت: ليست هناك خطة عملية للقاء من هذا النوع لرؤساء الدول والحكومات. واضافت المهم هو متابعة الأعمال المتعلقة باليونان بوتيرة ثابتة. ويسود الانقسام العواصم الاوروبية منذ اسابيع لأن ألمانيا وهولندا وفنلندا خصوصاً تطالب بإشراك المصارف الدائنة لليونان، مؤكدة انه شرط ضروري لموافقة الرأي العام لديها على قروض جديدة.

 مخاوف العدوى

الا ان البنك المركزي الاوروبي وفرنسا، وكل الدول التي تواجه صعوبات في منطقة اليورو، تخشى ان يؤدي ذلك الى انتقال العدوى. وقال رئيس البنك الاوروبي للاستثمار فيليب مايشتات، «هناك اتفاق على الهدف، لكن ليس بعد على وسائل تحقيق هذا الهدف». ويتزايد عدد مؤيدي فرض مساهمة المصارف حتى إذا احتاج الأمر لتخلف اليونان عن سداد ديونها جزئياً، وتقودهم هولندا التي تؤكد ان توافقاً يتحقق في هذا الشأن. لكن بلجيكا نفت ذلك.

وقال وزير المال البلجيكي: زميلي الهولندي يتبنى موقفاً معزولاً يفسر بالوضع السياسي الداخلي لبلده. وفي المقابل، تشق فكرة تأمين الوسائل اللازمة لليونان لشراء جزء من ديونها في الاسواق لخفضها، طريقها. وقد بلغت هذه الديون 160 بالمئة من اجمالي ناتجها الداخلي. وهذا الخيار سيكون تقدماً كبيراً، لأن برلين كانت ترفضه بشكل قاطع. واكد وزير المالية الهولندي يان كيس دو ياغر، في بروكسل الثلاثاء، ان منطقة اليورو لا تستبعد تخلف اليونان جزئياً عن السداد في اطار خطة المساعدة الثانية للبلد.

 محاذير ألمانية

وقال صندوق النقد في تقرير، إنه في حين أن التعرض المباشر من البنوك لأزمة الديون في منطقة اليورو كان محدوداً كانت بعض البنوك أكثر تأثراً من غيرها كما أن الآثار غير المباشرة عن طريق البنوك خارج ألمانيا، يمكن أن تكون لها آثار متتالية. وقال التقرير إن ألمانيا يمكن ان تنزلق إلى مستويات نمو منخفضة على المدى الطويل. وطالب التقرير الحكومة الألمانية بأن تولي اهتماماً خاصاً بالمشكلات الناجمة عن تقلص عدد سكانها والمؤثرة على البنية التحتية للتعليم والتدريب وعدم وجود مناخ قوي لتعزيز الابتكار، من أجل تأمين اقتصادها بآفاق للنمو على المدى الطويل. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين على ألمانيا أن تقلل اعتمادها على الصادرات وتحفز الطلب المحلي، ويجب ألا يسرف المشرعون في تقليص الميزانيات العامة، لتجنب عرقلة النمو الحالي. وفي الوقت نفسه، أشاد الصندوق بألمانيا بسبب «التعافي المثير للإعجاب» لأكبر اقتصاد في أوروبا بعد فترة الركود والأزمات الاقتصادية خلال السنوات الماضية.

وبالنسبة للمدى القصير، تجاوزت ألمانيا التوقعات حيث من المنتظر أن تحقق نسبة نمو خلال 2011 تبلغ 3.2 بالمئة مقارنة بالتقديرات السابقة التي أشارت إلى أنه سيبلغ 2.5 بالمئة. ولكن من المتوقع أن تتراجع هذه النسبة بحلول العام القادم، حيث يتوقع تسجيل نمو بنسبة 2 بالمئة بدلاً من 2.1 بالمئة توقعها تقرير اقتصادي للأمم المتحدة في أبريل. وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن ينكمش النمو الاقتصادي في ألمانيا إلى 1.25 بالمئة في العام. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى تقدم المواطنين الألمان في السن وانخفاض عدد العاملين. ويجب على الحكومة أن تحاول استخدام السياسات الضريبية لتحفيز مزيد من الأشخاص على العمل.