عمقت وكالات التصنيف الائتماني من أزمة الاقتصاد الأوروبي حيث وجهت مؤسسة ستاندرد آند بورز صفعة قوية إلى جهود إشراك البنوك الخاصة في أوروبا في خطة الإنقاذ المالي الجديدة لليونان بعد أن قالت إن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة إشهار إفلاس للبلاد. ويقول محللون إنه إذا تحرك إصبع إبهامهم لأسفل فإن ذلك يمكن أن يتسبب في حدوث زلزال في أسواق المال العالمية، لذلك فإن وكالات التصنيف الائتماني تلعب أيضا دورا حاسما في أزمة اليونان وذلك لأن الحزمة الثانية المنتظرة لمساعدة اليونان ضد الإفلاس تقوم بشكل أساسي على إشراك القطاع الخاص والبنوك وشركات التأمين في توفير مبلغ الـ 120 مليار يورو الذي تمثله هذه الحزمة الهائلة من المساعدات.

جدلية المساعدات

وكانت البنوك الفرنسية والألمانية وافقت على تقديم حزمة مساعدات بقيمة 30 مليار يورو أي 43.6 مليار دولار لليونان بشرط عدم إقدام مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية على خفض التصنيف الائتماني لديون اليونان في اعقاب هذه الخطوة. غير ان ستاندرد أند بورز ذكرت أن أي مساهمة من قبل البنوك الخاصة في مساعدة اليونان من خلال تمديد فترة سداد الديون المستحقة على اليونان لهذه البنوك ستمثل صفقة بائسة وستدفع المؤسسة إلى خفض التصنيف الائتماني لليونان. وقال مسؤولون فرنسيون إنهم لم يشعروا بالدهشة ازاء هذه الخطوة من جانب ستاندرد أند بورز واوضحوا انه لا يجب أن يكون لها تأثير على سوق مبادلة الديون المتعثرة التي سيتم من خلالها إشراك القطاع الخاص في مساعدة اليونان. وفي حين لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة الألمانية حتى الآن، نقلت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية على موقعها الالكتروني عن مسؤول، رفض الكشف عن هويته، القول إن أهم شيء هو تفادي أي خفض للتصنيف الائتماني لليونان بما له من تداعيات سلبية على مبادلات الديون المتعثرة والتي سيطرت علينا بعد إفلاس بنك ليمان براذراز وإذا أدت مشاركة القطاع الخاص إلى إشهار إفلاس جزئي فإن المشكلة الأكبر ستكون في صعوبة إقناع البنك المركزي الأوروبي بمواصلة شراء السندات لتوفير السيولة النقدية للبنوك اليونانية.

شبح الإفلاس

ويخشى صناع القرار السياسي وأسواق المال من أن تقيم أشهر ثلاث وكالات للتصنيف الائتماني في العالم وهي: ستاندرد اند بورز اس اند بي و موديس و فيتش هذا الإشراك على أنه عجز عن الدفع سواء بالنسبة لجميع السندات المالية اليونانية أو على الأقل لبعضها وهو ما من شأنه أن يثير سلسلة من التفاعلات يشبهها بعض الخبراء بما حدث من تطورات كارثية في أعقاب إفلاس مصرف ليمان برازرز الاستثماري الأميركي في خريف عام 2008. ومن الممكن أن يؤدي العجز عن الدفع لمثل هذه التفاعلات لأنه سيستوجب دفع تأمينات طائلة على القروض التي لم تسدد، ومن الصعب حساب عواقب مثل هذا الخطر. وربما لم تستطع البنوك عندئذ اعتبار السندات اليونانية رأسمال خاصا بها وهو ما من شأنه أن يدفع بالنظام المصرفي في اليونان للانهيار وربما أدى أيضا إلى مخاطر انتقال هذه العدوى إلى دول أخرى مثل البرتغال وأيرلندا وأسبانيا أو حتى إيطاليا.

نفوذ ضخم

وتشير كل الوقائع إلى أن حجم نفوذ وكالات التصنيف الائتماني هائل. وتتخذ جميع هذه الوكالات من الولايات المتحدة مقرا لها، ولا تمثل مرجعا لصغار المستثمرين وحدهم بل تعتمد على تقديراتها أيضا هيئات حكومية معنية بالرقابة المالية وكذلك بنوك الإصدار مثل البنك المركزي الأوروبي. ولا تكاد تجد السندات المالية ذات التصنيف الائتماني السيئ فرصة للعثور على مشتر. وهكذا فإن وكالة اس اند بي تضع اليونان تحت تصنيف سي سي سي السيء مما جعل الكثير من المستثمرين مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد يعزفون عن شراء السندات اليونانية. وإن اعتماد البنك المركزي الأوروبي بالذات على تصنيف هذه الوكالات يجعل إشراك مستثمري القطاع الخاص في توفير المساعدة المالية لليونان أمرا صعبا. فعندما تتقدم المصارف بسندات مالية كضمانات فإنه من الضروري أن تمتلك هذه السندات تصنيفا ماليا معينا. ورغم تيسير معايير تصنيف هذه السندات في خضم الأزمة المالية والاقتصادية إلا أنه إذا حدث وتخلت الجهات الدائنة مثل المصارف والمؤسسات الاستثمارية طوعا عن المطالبة بقيمة السندات اليونانية التي بحوزتها فإن البنك المركزي الأوروبي ربما لم يجد خيارا آخر غير رفض هذه السندات كضمانات وهو ما أوضحه رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشه وغيره من قيادات المركزي الأوروبي بشكل جلي أكثر من مرة.