اقر البرلمان اليوناني أمس خطة التقشف للفترة 2012-2015 الضرورية لليونان من اجل تامين مساعدة مالية جديدة من دائنيها. وصوت نائب اشتراكي ضد الخطة بينما خالفت زميلة له من اليمين المحافظ تعليمات حزبها وايدت الخطة. وكان النائب الاشتراكي المعارض بانايوتيس كوروبليس اعلن قبيل التصويت انه لا يمكنه القبول بالابتزاز الذي تمارسه منطقة اليورو بين افلاس البلاد وتبني خطة تعتبر جائرة. أما زميله الاشتراكي الكسندر اثاناسياديس فصرح من جهته في وقت سابق انه سيصوت ضد الخطة لكنه عاد واستدرك الأمر مؤكدا انه "اقتنع" بخطاب رئيس الوزراء جورج باباندريو.
تشابه كبير
ويرى المحللون أن هنالك تشابها كبيرا بين الأزمة المالية الحالية التي تعيشها اليونان وتلك التي ضربت الأرجنتين في مطلع العقد الحالي لكن مع اختلاف الظروف. وهنالك عدة سيناريوهات مطروحة لحل أزمة اليونان من بينها تدخل دولي واسع يشمل مؤسسات التمويل الدولية والبنوك العالمية وغيرها.
وفي حال تطبيق هذا السيناريو على اليونان فهو يعني عدولها عن اليورو واعتماد عملة وطنية خاصة بها. ولكن هناك عامل حاسم يميز بين الحالتين، الا وهو أن الأرجنتين استطاعت تقرير ذلك بدون التنسيق مع دول أخرى، في حين أن اليونان تحتاج إلى تنسيق قوي مع باقي دول منطقة اليورو والتي تضم 17 دولة من دول الاتحاد الأوروبي من أجل اتخاذ قرار مثل هذا.
تجربة الأرجنتين
وأوشكت الأرجنتين على الإفلاس قبل نحو عشر سنوات وذلك عندما فشلت عام 2001 في سداد ديونها التي بلغت ما يعادل 240 مليار دولار آنذاك مع وصول البطالة ومعها الاحتجاجات إلى مستوى خطير ما أدى إلى تعاقب أربعة رؤساء على منصب رئيس الجمهورية خلال شهور قليلة.
وقبل ذلك بعام، وافق صندوق النقد الدولي على منح الأرجنتين قرضا بقيمة عشرين مليار دولار وذلك لدعم الاقتصاد وسط ركود طالت مدته، وربط الصندوق هذه الموافقة بإجراءات تقشفية صارمة. ولكن سرعان ماأدى العجز المرتفع في الميزانية وتزايد هروب رؤوس الأموال إلى تبديد أي تأثير إيجابي لهذا الدعم المالي الدولي. واضطرت حكومة الأرجنتين في نوفمبر عام 2001 إلى تجميد أرصدة ملايين المواطنين في البنوك عندما رفض الصندوق دفع حصة قدرها 1.2 مليار دولار من القرض بسبب عدم تنفيذ إجراءات التقشف التي تعهدت بها الحكومة.
غضب كبير
خرج أبناء الشعب الأرجنتيني الى الشوارع، وأغلقوا فروعا بنكية وخرب البعض محلات تجارية وأسواقا، وقد سقط قتلى وجرحى في العاصمة بوينس أيرس عندما واجهت الشرطة المتظاهرين. وعندما خرج الوضع عن السيطرة تماما،فر الرئيس فيرناندو دي لا روا في ديسمبر عام 2001 بطائرة عمودية (مروحية) من مبنى الحكومة .
وذلك بعد أن أعلن استقالته على وجه السرعة. ثم أعلن الرئيس الانتقالي للبلاد، أدولفو رودريجوز عجز الارجنتين عن تسديد ديونها وخفض قيمة العملة المحلية (البيزو) بنسبة 65% بعد أن كانت تساوي، بموجب القانون وعلى مدى عشر سنوات، نفس قيمة الدولار مما رفع النسبة المئوية لنصيب الديون الخارجية في إجمالي الناتج المحلي من 50% إلى أكثر من 100% من إجمالي الناتج المحلي.
انكماش ضخم
بعد انكماش ضخم في إجمالي الناتج المحلي للأرجنتين وصل الى 11% عام 2002 ،عاد الازدهار الاقتصادي بعد عام من ذلك وبقوة واستمر حتى اليوم. وحاول الرئيس نيستور كيرشنر الذي انتخب عام 2003 - وتوفي العام الماضي - استعادة الثقة الدولية في بلاده تدريجيا، ولكن هذه العملية لم تنته حتى اليوم بعد مرور الفترة الأولى لأرملته وخليفته في المنصب، كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر. وفي هذا الشأن، يقول ادواردو سجويجليا، الوكيل السابق بوزارة الخارجية الأرجنتينية: وجدنا آذانا صاغية باحترام خلال العديد من محادثاتنا غير الرسمية مع ممثلين عن الحكومات من جميع أنحاء العالم.
وكذلك من جانب الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش ولم يكن هناك سوى لقاء متوتر فقط تم مع المدير العام لصندوق النقد الدولي هورست كولر بقصر الرئاسة في بوينس أيرس عندما عبر كولر عن تشككه في قدرة الأرجنتين على الوفاء بالتزاماتها المالية وحذر من أن البنوك يمكن أن تتجنب الأرجنتين، وهو ما أدى إلى تصلب موقف كيرشنر في أعقاب هذه المحادثة.
وفي هذا الوقت، وجهت جماعات الضغط الممثلة لمصالح المستثمرين من حملة سندات الخزانة الأرجنتينية انتقادات حادة لسياسات الحكومة وعقدت اجتماعات بمقر سفارة الأرجنتين في واشنطن بين ممثلي الحكومة وممثلي الدائنين. ويقول سجويجليا إنه سأل هؤلاء المستثمرين عن سبب الطريقة العنيفة التي يتعاملون بها فقالوا إنهم يخشون أن تحذو دول أخرى حذو الأرجنتين وتتوقف عن سداد ديونها. واعترف ميشيل كامديسوس، المدير العام لصندوق النقد الدولي حتى عام 2000 بارتكاب "الكثير من الحماقات والأخطاء" فيما يتعلق بأزمة الأرجنتين.
استمرار التدفقات
ومع استمرار البيانات الإيجابية للتجارة الخارجية للبلاد تدفق الكثير من العملات الأجنبية إليها حيث استخدمتها في تسديد الديون الخارجية المستحقة، غير أن بقية الديون لا تزال تسدد من خلال ديون جديدة لا يمكن اقتراضها إلا بدفع فوائد باهظة في ظل عدم توصل حكومة الأرجنتين لاتفاق بشأن تسديد الأموال المستحقة عليها للدائنين الحكوميين الممثلين في نادي باريس.
وبلغ معدل نمو اقتصاد الأرجنتين في أبريل الماضي 7.1% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق وهو معدل يكاد يشبه معدلات نمو الاقتصاد الصيني. ورغم عدم تمكن الأرجنتين من الوصول بشكل مطلق لأسواق المال العالمية،إلا أن انتهاجها سياسة مرنة بشأن عملتها وتحقيقها فائضا في الميزانية ضمن لها معدل نمو اقتصادي مستقر.
