بعدما كان يألف أجنحة الفنادق الفخمة وسفر الدرجة الأولى جوا انتقل دومينيك ستروس كان مدير صندوق النقد الدولي إلى سجن جزيرة رايكرز سيء السمعة في نيويورك، على ذمة قضية جنسية يواجه منها السجن بين 15 أو 74 عاماً في حال ادانته، بينما لاتزال المؤسسة الدولية تتابع الموقف دون ان تبحث مسألة خلافته.

و«رايكرز» هو مجمع سجون في جزيرة بالقرب من مطار لاجوارديا معروف لمشاهدي التلفزيون وأفلام الجريمة باعتباره مكانا يجمع المشتبه بهم جنائيا في انتظار المحاكمة أو الذين يقضون أحكاما بالسجن مدة قصيرة.

وأمضى دومينيك ستروس-كان المتهم باعتداء جنسي ومحاولة اغتصاب عاملة في احد الفنادق ليلته الأولى في سجن رايكرز ايلاند بنيويورك بعد ان رفضت القاضية - التي مثل أمامها - الإفراج عنه بكفالة.

واقتيد مدير صندوق النقد الدولي (62 عاما) إلى السجن الكبير حيث وضع في زنزانة انفرادية، حسبما أعلن متحدث باسم السجن مساء الاثنين.

وقال المتحدث لوكالة فرانس برس: أن ستروس-كان لن يكون على اتصال مع السجناء الآخرين. هذا ليس معناه انه سيظل دائما داخل الزنزانة بل انه سيكون برفقة حارس كلما يخرج منها.

ونفى ستروس-كان الذي أوقف السبت الاتهامات التي وجهتها إليه القاضية الاثنين.

ورفضت القاضية مليسا جاكسون الإفراج عن ستروس-كان بكفالة قيمتها مليون دولار بعد يومين على توقيفه بينما كان على متن طائرة متوجهة إلى باريس في مطار كينيدي بنيويورك.

واتخذت القاضية قرارها بعد أن أعلن الادعاء أن ستروس-كان تورط في قضية سابقة على الاقل، وان هناك معلومات بأنه قام بسلوك مماثل

كما أشارت إلى احتمال فراره كدافع لإبقائه قيد الاعتقال وحددت الجلسة المقبلة اليوم الاربعاء.

7 اتهامات

ويواجه ستروس-كان سبع اتهامات من بينها فعل جنسي إجرامي ومحاولة اغتصاب واحتجاز حرية وذلك بعد الاتهامات التي تقدمت بها موظفة تنظيف (32 عاما) في فندق سوفيتل بنيويورك.

وأعلن بنجامين برافمان احد المحامين عن ستروس-كان ان هذا الأخير ينفي هذه الاتهامات. وهو بريء حتى تثبت إدانته بموجب القانون، مشيرا إلى انه من المحتمل جدا أن تتم تبرئة ستروس-كان في النهاية.

كما أعرب عن خيبته من قرار القاضية إبقائه قيد التوقيف، وقال من المهم أن ندرك ان المعركة بدأت للتو، وان ستروس-كان مصمما على استعادة اسمه وسمعته.

وأثارت هذه القضية الارتباك في الأوساط السياسية الفرنسية قبل عام على الانتخابات الرئاسية حيث كان ستروس كان مرشحا مفضلا.

ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس إلى العمل وهدوء الأعصاب والشجاعة والوحدة. أما رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون فاعتبر انه وفي حال ثبوت الوقائع ضد ستروس-كان فهذا عمل خطير للغاية ولا عذر له.

وأدت هذه القضية أيضا إلى بلبلة داخل صندوق النقد الدولي فيما ينبغي ان يقود الرد على أزمة الديون في عدد من الدول الأوروبية.

موقف الصندوق

وأعلن صندوق النقد اثر اجتماع لمجلس إدارته أمس الأول انه سيتابع الأحداث وانه لم يتخذ قرارا في القضية بعد.

وجاء في بيان وقعته مديرة العلاقات الخارجية كارولاين اتكينسون ان صندوق النقد الدولي ومجلس إدارته سيواصلان متابعة الأحداث.

ورفضت وزيرة المالية الفرنسية كريستين لاغارد التعليق على تكهنات بامكان ان تتولى منصب ستروس-كان على رأس صندوق النقد الدولي وقالت ان الوضع مؤسف للغاية.

كما نأت وزيرتان أوروبيتان بنفسيهما أمس عن ستروس-كان. وصرحت وزيرة مالية النمسا مارسا فيكتر انه بالنظر إلى رفض الإفراج عنه بكفالة، عليه ان يفكر بالأضرار التي يسببها للمؤسسة ببقائه في منصبه، في إشارة إلى احتمال استقالة ستروس-كان من منصبه.

اما وزيرة المالية الاسبانية فقد اعتبرت ان الاتهامات خطيرة للغاية، مضيفة أنها تتضامن مع المرأة التي تعرضت لاعتداء إذا ثبت ذلك.

وكانت عاملة الفندق وهي سوداء في الثانية والثلاثين بحسب الشرطة، تعرفت رسميا على ستروس-كان.

ونقلت الشرطة ان الضحية دخلت السبت الجناح 2806 معتقدة انه فارغ فيما كان ستروس كان يستحم مشيرة إلى انه لمسها بطريقة غير مناسبة واجبرها على فعل جنسي.

عينات إضافية

وأخذت الأحد من ستروس-كان عينات إضافية من الحمض النووي الريبي لكشف أي آثار لسلوك عنيف.

وأكد المدعون والشرطة ان ستروس-كان غادر الفندق مسرعا للتوجه إلى مطار كينيدي. إلا أن برافمان الذي اشتهر بعد ترافعه عن المغني الأميركي الراحل مايكل جاكسون أكد أن موكله كان مسرعا لأنه كان لديه موعد على الغداء.

وتعهد بان يبرز عندما يحين الوقت شهادة الشخص الذي تناول موكله الغداء معه.

وفي حال إدانته، فان ستروس-كان يواجه إمكان الحكم عليه بالسجن بين 15 و74 عاما لمجمل الاتهامات الموجهة اليه.

وتشكل هذه القضية صدمة قوية لليسار الفرنسي الذي شدد على ضرورة احترام براءة المتهم المفترضة حتى اثبات التهم، كما دعت الحكومة الفرنسية إلى الحذر.

وانتقد اعضاء في الحزب الاشتراكي الفرنسي النظام القضائي الاميركي الذي يسمح بنشر صور مهينة مثل صورة ستروس-كان ويديه مقيدتين وراء ظهره وهو منهك ويلتزم الصمت امام القاضية.

وصرحت وزيرة العدل السابقة اليزابيت غيغو لاذاعة اوروب 1 نريد ان نعرف الحقيقة. لكن كل ما سمعناه حتى الان هو تصريحات المدعي وكل المعلومات المتوفرة تذهب في اتجاه واحد.

وكان ستروس-كان عين في العام 2007 مديرا عاما لمدة خمس سنوات لاجراء اصلاح معمق للمؤسسة.

إنهاء الآمال

واعتبرت الصحف البريطانية امس ان توقيف مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس-كان في نيويورك بتهمة محاولة اغتصاب يضع حدا نهائيا لآماله الرئاسية في فرنسا، محملة الثقافة السياسية الفرنسية جزءا من المسؤولية في هذه القضية.

وبعدما امرت قاضية نيويوركية الاثنين بحبس ستروس-كان رافضة اطلاق سراحه بكفالة، عنونت صحيفة انديبندنت «لا انقاذ لرئيس صندوق النقد الدولي» في اشارة الى خطة الانقاذ المالي لليونان والبرتغال وايرلندا التي كان يشرف عليها بحكم منصبه.

وكتبت صحيفة غارديان (وسط يسار): يبدو ان الفرص باتت ضئيلة اليوم بان يشارك في سباق الانتخابات الرئاسية ما لم يبرأ (من التهم الموجهة اليه) في الايام القليلة القادمة

وأجمعت الصحف البريطانية التي لم تبد الكثير من التعاطف مع ستروس-كان، على ان فرنسا «مفتونة بالسياسيين عاشقي النساء» وعلى ان قوانينها الصارمة التي تحمي الحياة الخاصة ساهمت في وضع ستروس كان في موقع صعب. وتابعت صحيفة الغارديان ان اكتساب سمعة رجل يحب النساء لا يشكل عائقا للنجاح في السياسة في فرنسا، وانما العكس. لكن مواجهة ادانة بتهمة اعتداء جنسي ومحاولة اغتصاب، انه امر اخر.

وبحسب الغارديان فان اعتقال ستروس-كان اثار السؤال المزعج في وسائل الاعلام الفرنسية والسياسة حول عالمين متوازيين: ما يتم نشره وما يقف وراء ذلك وما يجب ان يبقى رسميا بعيدا عن الاحاديث.

مؤامرة الصمت

من جهتها اشارت صحيفة ديلي مايل المحافظة الى مؤامرة الصمت معتبرة لهذه الاسباب يجب الا تكون لدينا قوانين ابدا حول الحياة الخاصة مثل تلك المعتمدة في فرنسا.

وكتبت صحيفة تايمز (وسط يمين) على صفحتها الاولى في قفص الاتهام: مدير صندوق النقد الدولي وثقافة التكتم في فرنسا.

ورأت الصحيفة ان البريطانيين قد يكونوا محتشمين جدا في ما يتعلق بالسلوك الجنسي لكن الفضيحة التي طالت ستروس-كان تظهر ان اعجاب الفرنسيين برجال السياسة الذين يقومون بالاغواء قد يكون امرا مضللا ايضا.

وخلصت الصحيفة الى القول ان توقيف ستروس-كان يعتبر اتهاما لرجل يحب الاغواء وللثقافة السياسية الفرنسية السرية التي تعتبر ان ملاحقة النساء تشكل جزءا من تقليد فرنسي قديم يقوم على اساس شعارات: الحرية والمساواة .. وعدم الاخلاص.

طريقة المعاملة

وأثارت قضية دومينيك ستروس كان بمعزل عما إذا كان بريئا أم مذنبا الكثير من التساؤلات في الصحف الفرنسية امس سواء حول طريقة معاملة مدير صندوق النقد الدولي الاثنين في نيويورك او حول صمت وسائل الاعلام الفرنسية حيال سلوك السياسيين او كذلك حول مصير الحزب الاشتراكي.

وشبهت صحف كثيرة قضية ستروس كان بالمسلسلات التلفزيونية الاميركية، مختزلة في غالب الأحيان قضيته بالسقوط في الجحيم مثلما عنونت لا بريس دو لا مانش.

وكتب نيكولا دوموران في صحيفة ليبيراسيون ستروس كان يواصل السقوط بسرعة جنونية وفي اجواء من الانهيار والهزيمة.

ورأت لو بروغري ان الصور انما هي النسخة الحديثة لاعمدة التشهير وهذه الشفافية هي منحدر العقاب الوعر في الساحة العامة، فيما اعتبرت لا شارانت ليبر ان تلك الصورة الفظيعة (لدومينيك ستروس كان) هي حقا المسمار الاول الذي يدق في النعش السياسي لمدير صندوق النقد الدولي.

وتساءلت نور-ايكلير لماذا هذه الصور؟ .. ألسنا هنا في نوع من العقاب المزدوج؟

وكتبت كورييه بيكار ان هذا الاستعراض يبعث الدوار والغثيان.

مصير مأساوي

وعلى صعيد سياسي كتبت لو فيغارو ان مصير دومينيك ستروس كان المأساوي سيلقي بظله على انتخابات الحزب الاشتراكي، فيما أعربت لومانيتي عن رأي مغاير معتبرة انه مهما كانت تطورات هذه القضية، فان الحزب الاشتراكي سيكون له مرشح في الربيع المقبل خصوصا وان دومينيك ستروس كان لا يختزل وحده الحزب الاشتراكي بحسب ويست فرانس.

وبالنسبة لصحيفة لا فوا دو نور فان مارتين اوبري تجد نفسها فجأة مرغمة على الترشح لكنها لفتت الى ان السيناريو المهيمن في الوقت الحاضر لا يسمح بتصور رد فعل يقضي بتوحيد الصفوف خلف السكرتيرة الاولى كمرشحة شرعية.

واخيرا تساءلت صحف عدة عن قصور الصحافة الفرنسية في طريقة التعاطي مع النخب القيادية الفرنسية بذريعة حماية الحياة الخاصة.

وكتبت لي ديرنيير نوفيل دالزاس انه يجدر بالعالم السياسي-الاعلامي الباريسي الضيق ان يتساءل عن نزعته المؤسفة الى التقليل من شأن سلوك نخبه التي تكاد تخرج عن اللياقة (سواء بالنسبة للثروة او للجنس او الاثنين معا)، او التساهل حياله مضيفة ان الاوساط السياسية وكذلك العديد من الصحافيين كانوا على علم تماما منذ سنوات بنقاط الضعف الصغيرة التي يبديها دومينيك ستروس كان.

وترددت التساؤلات ذاتها في صحيفة لا مونتانيه التي وجدت ان فضيحة دومينيك ستروس كان غير ممكنة في فرنسا الا عندما يذهب الى الولايات المتحدة.

وطرحت لو ريبوبليكان لوران مسألة قانون الصمت المخيم حول علاقته الهوسية بالنساء التي لم تكن تخفى على احد مضيفة الكل ادرك ان هذا الصمت المتهاون هو الذي اوصل دومينيك ستروس كان - وسمعتنا معه - الى ما هو عليه الان.

لكن لا ريبوبليك دو سانتر شددت على انه من المشين انتظار ان يسقط دومينيك ستروس كان لكسر الصمت.

.

.