مثل مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس-كان أمس امام قاض في نيويورك للدفاع عن نفسه من اتهامات وجهتها إليه عاملة تنظيف في فندق سوفيتيل بمحاولة اغتصابها، ما أثار صدمة في الأوساط السياسية في فرنسا. وحتى مثول الصحيفة للطبع لم تكن أعلنت أية نتائج للتحقيقات. في الوقت الذي يرجح أن يتخذ الصندوق موقفا أكثر صرامة تجاه مشكلة الدين السيادي في أوروبا وينأى عنها أكثر في ظل القيادة الجديدة التي ستخلف ستروس-كان، بغض النظر عن نتائج التحقيقات.

وخرج مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان قرابة الساعة 23:00 من ليل أمس الأول بتوقيت نيويورك (3:00 من فجر أمس بتوقيت غرينيتش) مكبل اليدين خلف ظهره من مفوضية الشرطة في نيويورك حيث كان موقوفا لنقله إلى وجهة غير معروفة فيما يؤكد محاموه انه يعتزم الدفاع عن نفسه بقوة ضد اتهامات الاعتداء الجنسي الموجهة إليه.

وخرج ستروس كان وهو يبدو متعبا وغاضبا من مركز الشرطة الواقع في حي هارلم بعد حوالي ثلاثين ساعة على توقيفه على متن طائرة تابعة لشركة اير فرانس. وصعد بعدها في سيارة للشرطة حيث جلس على المقعد الخلفي محاطا بشرطيين، وفق ما أفاد صحافي فرانس برس. ولم يقل شيئا للصحافيين المحتشدين منذ مساء اليوم السابق في انتظار خروجه بعدما وجه اليه القضاء الاميركي تهمة الاعتداء الجنسي ومحاولة الاغتصاب بحق موظفة تنظيف في فندق سوفيتيل حيث كان ينزل في نيويورك.وأعلن أحد محاميه بنجامين برافمان متوجها للصحافيين امام محكمة جنوب مانهاتن حيث سيمثل ستروس كان أمام قاض انه يعتزم الدفاع عن نفسه بشدة ضد التهم وهو ينفي اي سلوك غير لائق.

 

ترجيحات

ومهما تكن النتائج المترتبة على اتهام دومينيك ستروس كان بالاعتداء الجنسي فإن من المرجح أن يتخذ الصندوق موقفا أكثر صرامة تجاه مشكلة الدين السيادي في أوروبا وينأى عنها أكثر في ظل قيادة جديدة.وقد ساعد ستروس كان في تخفيف الانطباع المأخوذ عن الصندوق بالتزامه بالصرامة في الميزانيات وتحرير الأسواق منذ عام 2007 وقاد الصندوق للالتزام بإنقاذ الدول الأوروبية المثقلة بالدين وليس العملاء التقليديين للصندوق.

وكان من المتوقع على نطاق واسع ان يعود الاشتراكي الفرنسي إلى بلاده في يوليو سعيا للفوز بترشيح حزبه في الانتخابات الرئاسية التي تجري في العام المقبل وذلك قبل إلقاء القبض عليه على متن طائرة تابعة لشركة اير فرانس وتوجيه الاتهام اليه بالاعتداء الجنسي على عاملة بفندق في نيويورك. وارجئ مثول ستروس كان امام القاضي الى أمس بعدما كان مقررا أمس الأول للسماح للمحققين بإجراء تحاليل جديدة، وفق ما أعلنه محام آخر هو ويليام تايلور. والذي قال إن موكلي وافق بملء إرادته على إجراء تحاليل جديدة. وقال للصحافيين إن ستروس كان متعبا لكنه بحال جيدة.

 

تقديرات وفحوص

وأعلن الناطق باسم شرطة نيويورك جون غريمبل أمس الأول لفرانس برس ان ستروس كان غادر وحدة الضحايا الخاصة وهي وحدة الشرطة الواقعة في حي هارلم والمكلفة الجرائم الجنسية للمثول أمام المحكمة حيث توجه إليه التهم. وتابع انه سيعود للقاضي المكلف القضية أن يقرر فيما بعد أن كان من الممكن إطلاق سراحه بكفالة ووفق اي شروط.وأفاد المتحدث من جهة أخرى أن شرطة نيويورك حصلت على مذكرة جديدة لتفحص ملابس مدير صندوق النقد بحثا عن اثار جديدة للحمض الريبي النووي.

وقال انه تم إصدار مذكرة جديدة لملابسه، موضحا أن اثار الحمض الريبي النووي التي يتم البحث عنها يمكن أن تكون شعرا أو سائلا منويا أو غيره. وأضاف ان الشرطة تسعى للحصول على تفويض اخر لتفتيشه جسديا. وردا على سؤال عما إذا كانت الشرطة تبحث عن اثار أظافر مثلما أفادت وسائل الإعلام الأميركية قال نعم، هذا ما يجري. وقال المتحدث ان ستروس كان لا يحظى بالحصانة الدبلوماسية.

وكان غريمبل اشار قبل قليل الى انه تم رصد موقع ستروس كان في مطار كينيدي بعدما اتصل بالفندق لإعطاء تعليمات بشأن هاتفه النقال الذي نسيه في غرفته، مؤكدا بذلك معلومات أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال.وقال محاميه انه سيدفع ببراءته وذكر صندوق النقد الدولي في بيان انه يعمل بكامل طاقته ولكن من الصعب تصور بقاء ستروس كان في منصبه لفترة طويلة وهو يدافع عن نفسه في قضية اعتداء جنسي.

 

المدير المقبل للصندوق

وربما يكون المدير المقبل للصندوق غير أوروبي في ضوء ضغط قوي من دول ناشئة مثل الصين والهند والبرازيل لكي يعكس الصندوق الذي يتخذ من واشنطن مقرا ثقلها الاقتصادي المتنامي واولوياتها.ويزيد من تعقيد الأمور أن جون ليبسكي نائب ستروس كان الأميركي أعلن يوم الخميس الماضي أنه سيترك الصندوق عند انتهاء فترة خدمته في اغسطس. من ثم تواجه المؤسسة المالية العالمية فراغا محتملا في القيادة في وقت حرج. وقال جان بيساني فيري مدير مؤسسة بروجل البحثية الاقتصادية الاحتمالات تشير الى أن خليفته لن يكون أوروبيا وأنه سيرغب في إعادة ترتيب أولويات صندوق النقد بعيدا عن التزامها الضخم في أوروبا.

وتفاوض ستروس كان بشأن زيادة تمثيل الأسواق الناشئة في صندوق النقد ودعا لتطبيق لوائح مالية أكثر صرامة وأطلق خطوط ائتمان جديدة لمساعدة الدول قبل ان تحل بها الأزمات وأقام شراكة غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي في إطار برامج الإنقاذ بمنطقة اليورو.

 

برامج إنفاق جريئة

وحين اندلعت الأزمة المالية العالمية في عامي 2007-2008 دعا ستروس كان الى برامج إنفاق جريئة لتحفيز الاقتصاد وتفادي كساد كبير آخر وأعاد صياغة صندوق النقد لكي يصبح مؤسسة لإخماد الحرائق المالية لديها درجة أكبر من الوعي الاجتماعي لتفادي ما اعتبرها أخطاء ارتكبت في أميركا اللاتينية واسيا في الثمانينات والتسعينات. فعلى سبيل المثال تفاوض مسؤولو صندوق النقد والمفوضية الأوروبية لاعداد برنامج لانقاذ لاتفيا في عام 2009 وضغط الصندوق من اجل توزيع أكثر عدالة للاعباء الضريبية في دول البلطيق جراء مخاوف من ان تكون ضريبة الدخل الموحدة ظالمة للفقراء. وقال بيساني فيري كان أكثر مديري الصندوق التزاما بالوحدة الأوروبية والاكثر انخراطا في النقاش الأوروبي. يؤمن بشدة بضرورة اتباع أوروبا منطق الوحدة النقدية وبناء وحدة سياسية.وحث ستروس كان الاتحاد الأوروبي مرارا على تبني موقف اكثر جرأة وشمولية لمواجهة تحدي الدين محذرا من أن المنهج التدريجي في ادارة الازمة غير كاف وغيرمجد.

 

سندات مشتركة لليورو

وفي الاحاديث الخاصة اوضح مساندته لاصدار سندات مشتركة لمنطقة اليورو - وهو ما تعارضه ألمانيا بشدة- بهدف خفض تكلفة الاقتراض الباهظة التي تتحملها الدول الاضعف في الاتحاد الاوربي مقابل اصلاحات اقتصادية اقوى تحت اشراف الاتحاد الأوروبي.وتعهد صندوق النقد بتقديم ثلث جميع القروض الطارئة الممنوحة لليونان وايرلندا والبرتغال فضلا عن تقديم تمويل للمجر ولاتفيا ورومانيا الاعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي وخط ائتمان مساند مرن لبولندا.

وخصص الصندوق نحو 100 مليار يورو 9ر142 مليار دولار لهذه البرامج. لكن الخبراء يقولون ان صندوق النقد اذعن للأوروبيين في بعض النقاط الرئيسية لازمة الدين السيادي بدلا من الاصرار على وصفاته التقليدية.وتخلى الصندوق عن مطالبة لاتفيا بخفض قيمة عملتها وكذلك عن المطالبة بمشاركة حملة السندات في البنوك الايرلندية في تحمل الخسائر الضخمة مع دافعي الضرائب كما استمر في تأييد صرف قروض لليونان رغم ان اثينا لم تحقق المستويات المستهدفة في الميزانية.

 

مساعدات اليونان

وثمة اختبار رئيسي في الشهر المقبل حيث من المقرر ان تحصل اليونان علي الشريحة التالية من المساعدات التي تبلغ قيمتها 12 مليار يورو وهي ضرورية لسداد ديون بقيمة 13.7 مليار يورو تستحق في يونيو.واكتشف مفتشو صندوق النقد والاتحاد الأوروبي الموجودون في اثينا حاليا ثغرات جديدة في دفاتر اثينا حيث أحدث الركود والتهرب الضريبي فجوة كبيرة في الايرادات من شأنها ان تبعد البلاد أكثر عن المسار المحدد.

ومع خروج ستروس كان من الصورة ربما يقل ميل الصندوق لمواصلة صرف اموال لليونان دون تغيير كبير في السياسة التي تنتهجها البلاد. وربما يكون ثمة ميل أكبر أيضا لتحدي وجهة نظر المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي بشأن استمرار تمتع اثينا بملاءة مالية وعدم حاجتها لاعادة هيكلة الدين.وقال مسؤول يوناني لرويترز ان القبض على ستروس كان قد يقود بالتأكيد للتأجيل لبعض الوقت على المدى القصير ولكن لن يغير سياسة صندوق النقد الدولي تجاه اليونان.

وقد يثير ذلك اضطرابا في الاسواق الأوروبية ويزيد العلاوة المرتفعة على عائدات السندات اليونانية مقارنة بالسندات الالمانية ويرفع تكلفة شراء الحماية من العجز عن سداد الدين.وستصبح مثل هذه التحركات في السوق أكثر جلاء اذا اتضح ان القرارات الخاصة بالشريحة التالية من القروض المقدمة لليونان ربما تؤجل.

وقال ديفيد بويك من بي.جي.سي بارتنرز للسمسرة ومقرها لندن ان القبض على ستروس كان قد يترك اثرا سلبيا على اليورو على المدى القصير ولكنه أضاف أن انشطة اعادة الهيكلة الاقتصادية التي ينفذها البنك ربما لن تعاق بشكل كبير.

وتابع ربما يهز الاسواق قليلا وربما ينخفض اليورو سنتا او اثنين ولكن مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي لديها اساس قوي جدا.وخلال الازمة حافظ اليورو على صلابته بفضل التزام البنك المركزي الأوروبي بتشديد السياسة النقدية لمكافحة التضخم.