انتعشت التدفقات الرأسمالية الصافية إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة بعد الأزمة العالمية بفترة زمنية قصيرة للغاية، لكن هذا الارتداد الإيجابي كان استثنائيا في سرعته وليس في المستوى الذي بلغته هذه التدفقات. وأصبحت التدفقات الصافية أكثر تقلبا إلى حد ما بمرور الوقت، وكانت استمراريتها محدودة بشكل عام. وقال تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي إن التدفقات الصافية إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة غالبا ما تسجل ارتفاعا مؤقتا في الفترات التي تتسم بسهولة شروط التمويل العالمية أي حين تكون أسعار الفائدة منخفضة والإقبال على المخاطرة كبيرا ثم تنخفض بعد ذلك.
الروابط المالية
وكلما ازدادت الروابطة المالية المباشرة مع الولايات المتحدة كان أثر تغيرات أسعار الفائدة الأميركية أكبر على التدفقات الرأسمالية الصافية. وتتعرض البلدان المنكشفة بشكل مباشر تجاه الولايات المتحدة لآثار إضافية سلبية عند تشديد السياسة النقدية الأميركية على التدفقات الصافية بالتناسب مع حجم الانكشاف. وتزداد قوة هذا الأثر السلبي حين يكون ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية غير متوقع وتكون ظروف التمويل العالمية ميسورة.
وحتى في المناطق التي شهدت تدفقات صافية بالغة القوة (مثل أميركا اللاتينية وآسيا الصاعدة)، كانت المستويات مضاهية للمتوسطات المسجلة أثناء طفرات سابقة، كالتي حدثت قبل الأزمة الآسيوية (1991-1997) والأزمة المالية العالمية (2004-2007)، ولم تتجاوز مستويات الذروة التاريخية.
وقد حدثت زيادة طفيفة في درجة تقلب التدفقات الرأسمالية الصافية على مدار الثلاثين عاما الماضية، وهي محدودة الاستمرارية بوجه عام. ويلاحظ أن التدفقات الصافية إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة أكثر تقلبا بقليل من التدفقات التي تتلقاها البلدان المتقدمة. وتكون التدفقات المنشئة للديون ــ مثل الديون المصرفية وغيرها من الديون الخاصة وتدفقات الحافظة في شكل قروض ــ أكثر تقلبا إلى حد ما وأقل استمرارية من أنواع التدفقات الأخرى.
ظـروف التمويل
ويبدو أن التدفقات الرأسمالية إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة تتحرك بالتوافق مع ظروف التمويل العالمية. وعلى وجه التحديد، ترتفع التدفقات الصافية إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة ارتفاعا حادا في فترات التمويل العالمي الميسور ــ عند انخفاض أسعار الفائدة العالمية ودرجة العزوف عن المخاطر ــ ثم تنخفض فيما بعد. وترتفع التدفقات الصافية ارتفاعا مؤقتا أيضا في اقتصادات الأسواق الصاعدة عندما ترتفع معدلات نموها عن المعدلات المسجلة في الاقتصادات المتقدمة. ويكون ارتفاع وانخفاض التدفقات الرأسمالية مدفوعا في المقام الأول بالتدفقات المصرفية والتدفقات الخاصة الأخرى.
وتتعرض البلدان ذات الانكشاف المالي المباشر تجاه الولايات المتحدة لآثار إضافية سلبية على التدفقات الرأسمالية الداخلة نتيجة تشديد السياسة النقدية الأميركية مقارنة بالبلدان غير المنكشفة بشكل مباشر. ويقاس الانكشاف المالي المباشر تجاه الولايات المتحدة على أساس نسبة الأصول والخصوم المحررة بالدولار الأميركي من مجموع الأصول والخصوم الخارجية.
فإذا كان الاقتصاد منكشفا تجاه الولايات المتحدة انكشافا ماليا مباشرا في حدود المتوسط (16٪) يؤدي ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي الأميركي على نحو غير متوقع بما يعادل خمس نقاط أساس تقريبا إلى هبوط التدفقات الصافية داخل ربع العام بمقدار نصف نقطة مئوية، إضافة إلى ما يتعرض له الاقتصاد غير المعرض لمثل هذا الانكشاف. ويصبح هذا الأثر الإضافي السلبي أكبر بمرور الوقت، بينما يكون الأثر أقل بكثير في حالة ارتفاع سعر الفائدة المتحقق (أو الفعلي) (الذي يمكن توقعه جزئيا أو كليا).