كشفت الأزمة العالمية الأخيرة حقيقة عالمية غير متوقعة، تتمثل في أن اقتصادات الدول لم تكن وليست متنوعة بما فيه الكفاية. وقد يشكل هذا الاستنتاج مفاجأة لمعظم المسؤولين عن التنمية الاقتصادية في هذه الدول. فقد كان للتنويع الاقتصادي تقليديا، تعريف ضيق إلى حد ما لا يشير إلا إلى مجموعة القطاعات الاقتصادية في بلد ما. وتتركز مناقشة الاقتصادات غير المتنوعة كفاية عادة على البلدان التي تعتمد كل قاعدتها الصناعية على النفط أو مورد واحد آخر كبعض الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ولكن حتى البلدان التي تظهر تنوعا كبيرا كالولايات المتحدة الأميركية قد تكون عرضة لأحداث غير متوقعة.
وقال تقرير صادر عن بورز آندكومباني: لنتخيّل أن كل دولة من دول العالم تسير وفق خط ثابت متواصل. على أحد طرفي هذا الخط، بلد يضم مجموعة من الشركات التي تنتج عدداً محدوداً من السلع، ويجري تبادلا مع عدد قليل من الشركاء التجاريين. فعلى الرغم من أن بلداً كهذا يمكن أن يكون عرضة لمخاطر كبيرة متأتية من الصدمات الخارجية، كامكان حصول وفرة مفاجئة في الأسواق العالمية لأحد منتجاته الرئيسية، فإن رصد معالم اقتصاد هذا البلد يبقى بسيطا، ومن السهولة توقّع مثل هذه المخاطر التي قد يتعرض لها.
ومن الجهة الأخرى من الخط، فلنفترض أن ثمة بلداً ذا اقتصاد متنوّع بكل معنى الكلمة، سواء من حيث صادراته أو استثماراته أو صناعاته أو مصادر إنفاقه أو عمالته أو التكنولوجيا أو المعرفة. وقد توقع هذا البلد وتحسّب لكل المخاطر المحتملة، ونوّع أصوله بشكل كامل، بحيث ان الانهيار الشامل في مجال واحد لا يمكن أن يصيب اقتصاده ككل بأضرار كبيرة.
كل من هذين البلدين آمن إلى حد كبير من المخاطر الاقتصادية العالمية. أما البلدان المعرّضة للمخاطر فهي التي تقف في منتصف السلسلة، وهذا يشمل في الوقت الراهن كل بلدان العالم. ويقول ريشار شدياق، الشريك في بوز أند كومباني: ليس هناك من بلد واحد نوّع اقتصاده في شكل كامل بما يحميه من كل الصدمات، لكن كل البلدان لديها اقتصادات متنوّعة ومركّبة ومترابطة عالمياً بحيث لا تستطيع أن تتوقع في شكل كامل كل مصدر ممكن للخطر. ولا توجد في الوقت الراهن بيانات إحصائية كافية لاثبات الترابط بين قلة التنويع وعدم الاستقرار الاقتصادي، لكن الأزمة الاقتصادية الأخيرة بيّنت أن الدول قد تبالغ بأكثر من طريقة في تركيز اقتصاداتها من خلال الاعتماد كثيرا على الانفاق الاستهلاكي والصادرات والمؤسسات الصغيرة والشركات الكبيرة أو الاستثمار الأجنبي. يضاف إلى ذلك أن المشكلة في بلدان كالولايات المتحدة وبريطانيا، تكمن في المبالغة في التركيز، بشكل آخر: فبدلا من الكثير من التجارة، تتكل هذه الدول أكثر من اللازم على المستهلكين المحليين الذين يشكل الاقتراض وسيلة أساسية لتمويل عمليات الشراء التي يقومون بها.
ولا بد من التشديد أولاً على أن صناع القرار يجب ألا يسعوا إلى إضعاف العناصر التي هي في صلب نجاح بلدانهم، أو إلى إلغائها. غير ان على صانعي السياسات أن يعملوا على موازنة هذه التأثيرات الغالبة، للتأكد من أنها لا تلعب دورا غير متكافئ في الاقتصاد. والسؤال الأساسي هو ما إذا كانت العناصر الرئيسية للاقتصاد متنوّعة ومرنة وقابلة للتطبيق بسهولة على مجموعة متنوعة من الفرص الاقتصادية. أما الأمر الأساسي الذي يجب أن يقوم به واضعو السياسات، فهو ليس رصد هذه العناصر فحسب ولكن أيضا السعي باستمرار إلى تحديد المجالات التي من المحتمل أن يكون فيها تركيزٌ مفرط بما في ذلك تلك التي قد لا تكون واضحة، علماً أن هذه المهمة ليست سهلة.