أثارت أحكام أصدرتها محاك أسبانية خلال الفترة الأخيرة تضمنت عدم إلزام مقترضين بتسديد رهون الرهن العقاري للبنوك بعد التدهور المريع في أسعار المنازل حالة من الجدل حول ما إذا كانت البنوك قد أغرقت مئات الآلاف من الأسبان في بحر الديون بطريقة غير أخلاقية بسبب التوسع في تقديم القروض العقارية لهم رغم التأكد من أنهم لا يستطيعون سداد أقساط هذه القروض بانتظام وهو الأمر الذي يعني ضمناً تحميل البنوك أخطاء تصرفاتها وسياساتها الإقراضية التي كشفت الأزمة المالية العالمية عن الكثير من جوانبها.
الفقاعة العقارية
وعندما أراد الأسباني خوسيه أنطونيو لانجاريتا شراء منزل عام 2006 لم تكن لديه أي فكرة عن المغامرة الكبرى التي سيخوضها. ولم تكن الفقاعة العقارية الأسبانية قد انفجرت بعد وكان الأمر يبدو وكأن أسعار المنازل ستظل ترتفع إلى ما لانهاية وأنه حتى أصحاب الدخل المنخفض يستطيعون شراء منزل من خلال قروض التمويل العقاري.
وبعد ثلاث سنوات من حصول لانجاريتا على قرض عقاري بقيمة 80 ألف يورو أي نحو 112 ألف دولار وجد نفسه مطالبا بدفع تكاليف إضافية لسياراته فأصبح غير قادر على سداد القسط الشهري لقرضه العقاري وقدره 450 يورو.
وفي ذلك الوقت كان يحصل على أجر شهري قدره 1100 يورو كعامل في شركة نظافة. ويوجد منزل لانجاريتا في منطقة أرونيث بإقليم نافاري شمال أسبانيا. وعندما تم عرضه للبيع في مزاد لم يتقدم مشترون وقد صادر البنك المنزل بنصف ثمنه وأبلغ لانجاريتا أنه مازال مدينا بحوالي 28 ألف يورو للبنك.
أحكام عادلة
وقال لانجاريتا في مقابلة مع صحيفة ألبايس الأسبانية لا استطيع أن أفهم لماذا علي أن أواصل سداد أقساط القرض إذا كنت قد فقدت منزلي وبالكاد أحصل على ما يكفي ثمن الطعام. وقد أصدرت إحدى محاكم الإقليم بالفعل حكما يقول إن لانجاريتا لم يعد ملزما بسداد باقي أقساط القرض للبنك. وقالت المحكمة في قضية لانجاريتا إن البنك تصرف بطريقة مرفوضة أخلاقيا عندما ألزم الرجل بتحمل ثمن انخفاض قيمة منزله رغم أن هذا الانخفاض كان ناتجا عن الأزمة المالية العالمية وأخطاء النظام المصرفي الأسباني.
خسائر فادحة
وكان حوالي 500 ألف أسباني تقريبا قد فقدوا منازلهم أو يواجهون احتمال فقدانها بسبب القروض العقارية وأن الرقم سوف يزداد بحلول 2012. وقال لوشيا ديلجادو ممثل منظمة منصة ضحايا القروض العقارية الأسبانية إنه من الخطأ أن تتحمل العائلات عواقب الممارسات السيئة للبنوك والحكومة في أسبانيا والتي يجب أن تضمن حق الناس في الحصول على مسكن.
وكان القطاع العقاري الأسباني قد شهد فترة ازدهار استمرت نحو عشر سنوات حيث كان يتم بيع حوالي مليون منزل سنويا. وقال خوان فرنانديز أنسيتونو رئيس إحدى شركات التثمين العقاري: كل المشاركين في العملية افتقدوا الحس الواقعي. واعتمدت البنوك على احتياطياتها النقدية لتقديم القروض العقارية لأي شخص تقريبا بما في ذلك المهاجرون من أميركا اللاتينية الذين كانوا يعملون بعقود عمل مؤقتة وليس لديهم أي مدخرات.
وكانت أغلب هذه القروض قروضا عالية المخاطر التي كانت تقدمها البنوك الأميركية وفقا لصيغ يعتبرها بعض خبراء القانون الأن نوعا من أنواع الابتزاز. وعندما وقعت الأزمة المالية العالمية في خريف 2008 انفجرت الفقاعة العقارية في أسبانيا وانهارت أسعار العقارات وأصبح الكثير من السكان عاجزين عن سداد أقساط قروضهم العقارية.
قانون التمويل
في الوقت نفسه فإن قانون التمويل العقاري في أسبانيا يبدو صارما مقارنة بالقوانين المماثلة في باقي دول الاتحاد الأوروبي ناهيك عن الولايات المتحدة حيث يمكن للشخص المدين تسوية دينه مع البنك برد المنزل إلى البنك. ولكن في أسبانيا فإن البنك يظل يطالب المدين بكامل قيمة القرض والفوائد ويصادر المنزل وفقا لقيمته السوقية المنخفضة حاليا مع الاستمرار في مطالبة المدين بباقي قيمة الدين.
ولا يبدو أن الكارثة تقتصر فقط على الناس ولكن البنوك الأسبانية مازالت تواجه تداعيات الأزمة المالية حيث ذكر البنك المركزي الأسباني أن البنوك الأسبانية تحتاج إلى ضخ رؤوس أموال جديدة إليها بقيمة 15 مليار يورو أي 21 مليار دولار من أجل ضمان سلامة موقفها المالي. وجاءت تقديرات البنك أقل من تقديرات الحكومة التي كانت قد ذكرت في وقت سابق أن البنوك تحتاج إلى ضخ رؤوس أموال قدرها 20 مليار يورو لإعادة هيكلتها.
وأشار البنك المركزي إلى أن تسعة بنوك ادخار أو اتحادات بنكية بين تلك البنوك سوف تحتاج إلى حوالي 90٪ من هذه الأموال الإضافية. وينظر إلى بنوك الإدخار باعتبارها فيلاكعب أخيللالا بالنسبة للنظام المصرفي الأسباني وتلعب دورا مهما في تحديد ثقة السوق في الاقتصاد الأسباني.
