ارتفعت أسعار النفط أمس بعد أن أكدت شركات شحن أن مخزونات النفط الخام في ميناء البريقة النفطي الليبي نفدت بسبب الاضطرابات المستمرة منذ أسابيع وهو ما أجبر ناقلات النفط على إلغاء شحناتها والتوجه إلى السعودية ودول خليجية أخرى بحثا عن شحنات.
وقفزت أسعار العقود الآجلة للخام الخفيف في التعاملات الالكترونية لبورصة نايمكس نحو 0,4 في المئة وتجاوز برنت 116 دولارا وذلك بعد أن قصفت قوات موالية للزعيم الليبي معمر القذافي البنية التحتية لصناعة النفط متسببة فيما قد يكون أضرارا طويلة الأجل لقدرات البلاد لتصدير النفط. وكانت أسعار النفط هبطت في الجلسة السابقة بعد أن أظهرت بيانات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن النفط الخام الأميركي المخزن في مركز التسليم في كوشينج بولاية اوكلاهوما زاد الأسبوع الماضي بمقدار 1,69 مليون برميل إلى مستوى قياسي بلغ 40,26 مليون برميل.
وقال مصدر مطلع إن السعودية ستقوم بتوريد كامل شحنات النفط المتعاقد عليها في ابريل إلى مشتر واحد على الأقل في آسيا وذلك دونما تغير عن مستويات مارس كما كان متوقعا. وأوضح المصدر أن السعودية لم تجر تعديلات على نسب التفاوت المسموح بها في مخصصات التوريد الأمر الذي يعني أن للمشترين الخيار لطلب أن تكون الشحنات التي يتم تحميلها متضمنة نقصا أو زيادة تصل إلى 10٪ من الكميات المتعاقد عليها.
المخزون الليبي
وهاجمت قوات القذافي البنية التحتية لصناعة النفط إذ ضربت خط أنابيب ينقل النفط إلى ميناء السدرة وقصفت صهاريج تخزين في ميناء راس لانوف النفطي. وتركت العديد من شركات النفط والشحن العالمية ليبيا ثالث أكبر منتج للنفط في أفريقيا وهو ما أصاب الصادرات الليبية بالشلل. وقال ايفيتشا بياكا مدير استئجار الناقلات لشركة تانكرسكا بلوفيدبا الكرواتية إن الناقلات لن تذهب إلى الموانئ الليبية في الوقت الراهن.
وذكر بياكا أن عملية تحميل الناقلة فرانكوبان التابعة للشركة ألغيت لأنه لم تكن هناك شحنة كافية. وأضاف أن ما كان مخزونا لديهم قاموا بضخه وتحميله على الناقلات مشيراً إلى أن آخر ناقلة افراماكس جرى تحميلها في الخامس من مارس. وتم تحميل 51 ألف برميل يوميا في ميناء البريقة في يناير.
وتمكنت تانكرسكا التي تعتبر ليبيا الميناء الرئيسي لمعظم ناقلاتها العشر من تحميل ناقلتين افراماكس حمولة الواحدة منهما 80 ألف طن في البريقة في الأسابيع القليلة التي سبقت نفاد المخزونات. والآن تبحث السفن التي تم تحويل وجهتها من ليبيا عن شحنات في سيدي كرير بعدما ضخت السعودية مزيدا من النفط لتعويض نقص الإمدادات الليبية. وزادت المملكة الإنتاج إلى تسعة ملايين برميل يوميا متجاوزة المستوى المستهدف المتفق عليه في أوبك بمليون برميل يوميا. وتبحر ما بين عشر و15 ناقلة افراماكس في البحر المتوسط بدون شحنات وهو ما يضغط على أسعار الشحن في المنطقة.
تراجع كبير
وقال شكري غانم رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا إن إنتاج النفط الليبي هبط من 1,6 مليون برميل يوميا إلى حوالي نصف مليون برميل مع مغادرة كثير من العمال الأجانب والعمال المحليين الحقول النفطية. وأوضح غانم: الإنتاج تراجع إلى نحو نصف مليون برميل يوميا. وأضاف: في صناعة النفط في ليبيا الحقول متناثرة في الصحراء. كثير من العمال الأجانب أصابهم الذعر وسعوا للرحيل وكذلك العمال الليبيين. وقال غانم إن أعضاء آخرين في منظمة أوبك مستعدون لتعويض النقص في إنتاج النفط الليبي لكن لم تظهر إلى الآن أي علامات على إنهم يفعلون هذا. وقال أيضا إن صناعة النفط الليبية ما زالت يجري تنسيقها مركزيا على الرغم من الاضطرابات في شرق البلاد.
المنتجون مطالبون بالحفاظ على القدرات الاحتياطية
أثبت انخفاض المعروض من النفط الليبي وما تلاه من ارتفاع في أسعار النفط أهمية محافظة المنتجين على القدرة الإنتاجية الاحتياطية الحالية في سوق النفط العالمية. وقال بدر جعفر المدير التنفيذي لمجموعة نفط الهلال إنه وعلى الرغم من أن إنتاج النفط الليبي يمثل جزءاً صغيراً من معروض النفط العالمي إلا أن خطر تراجعه يمثل مشكلة كبيرة في الأسواق. وعن سبب بقاء الأسعار مرتفعة جداً على الرغم من تدخل المملكة العربية السعودية حاليا لتأمين العجز أوضح جعفر: لقد كان النقص الفوري في المعروض يمثل خطرا ضئيلا لأيّ من الدول المستهلكة الرئيسية وذلك بسبب وفرة المخزون العالمي.
وكانت السعودية قد استجابت على الفور لتأمين النقص في السوق إلى حد ما. كما أن الاختلاف في تقييم المحليين للمخاطر الجيوسياسية يستبعد إيجاد تعليل تام لسبب حصول قفزة في الأسعار إذ أن أسعار النفط كانت قد استجابت من قبل وإن كانت بنسبة تقل كثيرا عندما ظهرت الاضطرابات في مصر وتونس قبل الأحداث في ليبيا. وقد حدث هذا عندما بدأ المرء يتوقع انقطاع المعروض الليبي من منظور القدرة العالمية الإنتاجية الاحتياطية إلى الحد الذي أصبحت فيه شدة التأثر أكثر ظاهرية.
و قدرت وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج ليبيا من النفط قد انخفض إلى نصف مستوياته العادية خلال الفترة من 15 وحتى 24 فبراير 2011 وهو ما يعادل فقدان حوالي 0,8 مليون برميل يوميا من المعروض العالمي. وبالرغم من أن هذا الانخفاض في الإنتاج الليبي يعادل حوالي 1 ٪ فقط من المعروض العالمي لكنه ترك آثاراً بالغة على سوق النفط مع ارتفاع سعر نفط برنت بنسبة بلغت حوالي 17 ٪ في أسبوع واحد ليصل إلى 119 دولارا للبرميل في 24 فبراير 2011.
وكانت أسعار النفط قد استقرت إلى حد ما عندما أعلنت السعودية في 25 فبراير 2011 أنها سوف تقوم بتأمين الجزء الأكبر من النقص من خلال زيادة إنتاجها من نحو 8,6 ملايين برميل يوميا إلى 9 ملايين برميل يوميا، حسب ما جاء في تقرير وكالة الطاقة الدولية، وقد استمر تأرجح الأسعار بين 110 و115 دولارا للبرميل فيما بعد.
ووفقا لبدر جعفر فقد أدى ارتفاع أسعار النفط خلال عام 2008 إلى الانهيار في الطلب وفى الأسعار وانخفضت عائدات منتجي النفط بشدة. لذلك فإن تجنب تكرار ما حدث عام 2008 وضمان استقرار سوق النفط يعتبر أمرا أساسيا. وللمنتجين في الخليج باعتبارهم من بين أكبر أصحاب الموارد النفطية والمصدرين في العالم دور رئيسي في منع حدوث ذلك.
فإذا أصبحوا قادرين على زيادة حجم الاستثمار في بنية إنتاج وتصدير النفط المحتملة ليس لمجرد ضمان زيادة الصادرات في ظل تزايد الطلب العالمي فحسب بل ولضمان وجود قدرة احتياطية للتصدير لتلبية احتياجات التصدير في ظل التقلبات الغير متوقعة للمعروض عندها سيكونون قد فعلوا الكثير لضمان استقرار سوق النفط واستقرار رفاهيتهم ونفوذهم الاقتصادي.
وأوضح جعفر (إن أحد أفضل السبل لزيادة حجم القدرة التصديرية لنفط الخليج هو تشجيع استثمارات القطاع الخاص لزيادة حجم إنتاج النفط والغاز. إذ يمكن استخدام الغاز المنتج لخفض الطلب على النفط المحلي عن طريق استبداله بالوقود وزيادة القدرة على تحقيق استقرار أسواق البترول لصادرات الإنتاج النفطي على مستوى معين. وفي الوقت نفسه، المحافظة على المرونة التشغيلية لأكبر حقولهم النفطية من خلال تشجيع عمليات تطوير القطاع الخاص للحقول النفطية الصغيرة كما فعلت شركة نفط الهلال وذلك لتوفير القدرة على تحقيق استقرار أسواق النفط عندما يحتاج الأمر ذلك).
