أثارت الزيادات الكبيرة في أسعار الغذاء خلال الفترة الأخيرة نقاط ضعف على مستوى الاقتصاد الكلي خاصة بالنسبة للبلدان التي تستورد حصة كبيرة من غذائها وتعاني من محدودية الحيز المالي لديها فضلاً عن زيادة أعداد الفقراء. وأشار تقرير للبنك الدولي إلى اتساع دائرة الفقر حيث بلغ عدد الفقراء المدقعين نحو ‬44 مليون شخص في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ومن المهم على الأمد القريب ضمان الحد من أي زيادات أخرى في أعداد الفقراء.

وذلك باتخاذ خطوات لتهدئة الأسواق المتوترة وتوسيع نطاق شبكات الأمان وبرامج التغذية. كما أن ضخ الاستثمارات في رفع الإنتاجية الزراعية المستدامة بيئياً وتحسين أدوات إدارة المخاطر والتقليل من استخدام تقنيات الوقود الحيوي كثيفة الاستهلاك للمواد الغذائية واتخاذ إجراءات للتكيف مع تغير المناخ هي أمور ضرورية على الأمد المتوسط بغية التخفيف من آثار التقلبات المتوقعة في أسعار الغذاء على الشرائح الأكثر تأثراً ومعاناة.

 

التضخم الكلي

ومن أبرز أوجه تأثيرات ارتفاع الغذاء على الاقتصاد الكلي تأثيرها على تضخم أسعار الغذاء المحلية وعلى التضخم العام. وقد شهد أكثر من ثلث بلدان أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى تضخماً تتجاوز نسبته ‬10 في المائة خلال الفترة الأخيرة. وتواجه البلدان التي تستورد حصة كبيرة صافية من احتياجاتها من الغذاء ومنتجات الطاقة خللاً في حساباتها الجارية.

ومن هذه البلدان طاجيكستان وجمهورية قيرغيز وجورجيا وألبانيا وهي من بلدان منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، حيث يحظى الحد من عجز الحساب الجاري بأهمية خاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية الأخيرة. ويعتمد تأثير الزيادات في الأسعار على المالية العامة على مدى زيادة إيرادات الضرائب على المواد الغذائية ومدى زيادة الإنفاق على الإجراءات التخفيفية كبرامج الحماية الاجتماعية.

 

تحويل الأنماط

ويستفيد المنتجون الصافون للأغذية أما من يزيد استهلاكهم على إنتاجهم فإنهم يتضررون. وثمة تأثيرات على حالة التغذية نتيجة لارتفاع أسعار المواد الغذائية. فزيادة أعداد الفقراء ترتبط بارتفاع سوء التغذية مع اضطرار الشرائح الأكثر فقراً من الناس إلى تقليل ما يتناولونه من أطعمة.

واستخدام بدائل غذائية أرخص سعراً وأقل قيمة غذائية. وأشد المتأثرين بانتكاسة أوضاع التغذية هم الأطفال الرضع دون الثانية من أعمارهم، وكذلك الحوامل. كما تؤثر هذه الصلات المعقدة عبر أسواق الغذاء على انتشار السمنة، فمثلاً تؤدي زيادة الطلب على الشراب المستخلص من الذرة الغني بالفركتوز وهو بديل رخيص للسكر الأغلى إلى تداعيات على صعيد السياسات العامة في بلد مثل المكسيك حيث تشكل السمنة مصدر قلق بالغ للصحة العامة.

 

معادلة

هناك عاملان يحدان من تأثير الارتفاع العالمي الحالي في الأسعار على معدلات الفقر أولهما زيادة المحاصيل المحلية في العديد من البلدان الأفريقية. والثاني أن أساسيات وضع العرض في السوق لم تزل قوية. ومن شأن نشر بيانات منتظمة يسهل الوصول إليها عن المخزونات علاوة على التزام كبار المصدرين بعدم فرض قيود على التصدير أن يساعد على تحقيق الاستقرار في الأسعار التي تُعد عنصراً بالغ الأهمية في الحيلولة دون سقوط المزيد تحت خط الفقر..

 

علاقة متناغمة بين أسعار المحاصيل الزراعية

 

 

تمكن المشكلة الأكبر في مؤشرات أسواق الغذاء في أن أي ارتفاع في واحد من المحاصيل يجر البقية للارتفاعات بشكل مباشر. تواصل أسعار الغذاء ارتفاعها في الأسواق العالمية. فقد ارتفع مؤشر الفاو لأسعار الغذاء لأعلى مستوى له على الإطلاق.

وشهدت الأشهر الستة الأخيرة زيادات حادة في الأسعار العالمية للذرة والسكر وزيوت الطعام مع ارتفاع أقل نسبياً في أسعار الأرز. وأسهمت الزيادة في أسعار الذرة والسكر والزيوت في رفع تكلفة العديد من أنواع المواد الغذائية رغم أن أسعار الذرة المحلية ظلت على استقرارها إلى حد بعيد في أفريقيا جنوب الصحراء. وقد ارتفعت أسعار الأرز المحلية تماشياً مع الأسعار العالمية في بعض البلدان الآسيوية الأكثر استهلاكاً للأرز.

 

أسعار الذرة

وشهدت أسعار الذرة زيادة حادة وتأثرت بارتباطات معقدة مع أسواق السلع الأخرى ففي يناير ‬2011 كانت أسعار الذرة أعلى بنحو ‬73 في المائة مما كانت عليه من قبل. وترجع هذه الزيادات إلى سلسلة من التخفيضات في توقعات المحصول وقلة المخزونات، حيث يُتوقَع على سبيل المثال أن يكون معدل المخزونات إلى الاستخدام بالولايات المتحدة في حدود ‬5 في المائة.

وهو أدنى معدل منذ عام ‬1995 فضلاً عن العلاقة الإيجابية بين أسعار القمح والذرة واستخدام الذرة في إنتاج الوقود الحيوي. ويتنامى الطلب على الذرة لإنتاج الإيثينول مع ارتفاع أسعار النفط، لكن قدرة هذا الوقود المستخرج من السكر على المنافسة تقل في ظل الأسعار الحالية للسكر.

وتظهر أحدث تقديرات وزارة الزراعة الأميركية ارتفاع نصيب استخدام الإيثينول كوقود من ‬31 في المائة من إنتاج الولايات المتحدة من الذرة في عام ‬2009 إلى ‬40 في المائة في التوقعات للعام الحالي. كما أن زيادة الطلب على شراب الذرة عالي الفركتوز من جانب بلدان كالمكسيك التي تبحث عن بدائل غير السكر الأعلى سعراً أسهم هو الآخر في زيادة الطلب على الذرة.

 

آفاق الأرز

وارتفعت أسعار الأرز العالمية بمعدل أبطأ من غيره من الحبوب الغذائية الأخرى ولا تزال آفاق المستقبل مستقرة بالنسبة له فقد ارتفع سعر تصدير الأرز التايلندي بنسبة ‬25 في المائة خلال الأشهر الماضية ولا تزال أسعاره أقل بحوالي ‬70 في المائة من ذروتها التي بلغتها إبان أزمة الغذاء في عام ‬2008.

وفي أعقاب تحقيق كبرى البلدان المصدرة لمحاصيل جيدة وقرار الفلبين بالحد من الواردات وإخراج تايلاند كميات كبيرة من مخزوناتها إلى السوق بدأت الأسعار في الاستقرار فيما يبدو. ولكن من العوامل التي تحد من الضغوط الخافضة لأسعار الأرز ما صدر في الآونة الأخيرة من إعلانات من جانب مستوردين كبار كبنغلاديش وإندونيسيا عن اعتزامهم زيادة المخزونات المحلية بكميات كبيرة.

كما ارتفعت الأسعار المحلية للأرز ارتفاعاً شديداً في بعض البلدان وظلت على ثباتها في بلدان أخرى. ويستهلك سكان البلدان الآسيوية وخاصة الفقراء كميات كبيرة من الأرز. وزادت أسعار الأرز في فيتنام على الرغم من قيامها بجني محاصيل محلية وفيرة. ويرجع بذلك في المقام الأول إلى تخفيض قيمة العملة وهو ما فاقم التضخم الكلي وزاد من التوقعات بارتفاع الطلب من جانب كبار المستوردين مما أدى إلى قيام الحكومة الفيتنامية برفع السعر الأدنى لتصدير الأرز.

 

السكر والزيت

وارتفعت أسعار السكر وزيوت الطعام ارتفاعاً شديداً في الأشهر الأخيرة فقد زادت أسعار السكر بنسبة ‬73 في المائة بسبب تناقص العرض من البرازيل، أكبر المصدرين وصدمات الطقس في أستراليا. وبالمثل ارتفعت أسعار زيوت الطعام بسبب عدد من الصدمات ذات الصلة بالطقس. وأدى طول جفاف الطقس بسبب ظاهرة النينيا إلى تخفيض التوقعات الخاصة بالمحاصيل في البرازيل والأرجنتين اللتين تشكل صادراتهما معاً من فول الصويا نحو ‬45 في المائة على مستوى العالم. ومن ناحية أخرى، أ

دت الفيضانات في جنوب ماليزيا وفي إندونيسيا إلى إعاقة محاصيل زيت النخيل. وهذا الارتفاع في الأسعار ينتقل بسرعة إلى الأسعار المحلية في الكثير من البلدان، فأسعار السكر على سبيل المثال تضاعفت في كمبوديا، كما زادت أسعار زيت الطعام بنسبة ‬15 في المائة في أفغانستان.