تواجه أسواق الأسهم العالمية بعض مخاطر التصحيح، ولاسيما في ظل ما شهدته أسهم الأسواق المتقدمة الأسبوع الماضي من انتكاسةٍ مؤثرة رغم تواضعها. وقال غاري دوغان الرئيس الأول للاستثمارات في الخدمات المصرفية الخاصة في بنك الإمارات دبي الوطني: نعتقد بأن الأسهم تواجه جملةً من التحديات، لعل أبرزها هو المستويات المرتفعة نسبياً لملكية الأسهم، إذ كشف مسح ميريل لينش لآراء مديري صناديق الاستثمار أن ‬67٪ من المؤسسات الاستثمارية حظيت بأسهم عالية القيمة في فبراير، وهي النسبة الأعلى منذ انطلاق المسح عام ‬2001.

 كما يواجه النمو العالمي مخاطر التعرض لانتكاسة خطيرة جرّاء الارتفاع الكبير لأسعار النفط. وقد يلجأ المحللون لخفض توقعاتهم المتعلقة بأرباح الشركات في حال هبوط توقعات النمو، مما قد يؤدي بالتالي إلى تراجع أسواق الأسهم. وأخيراً سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تنامي التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، مما سيؤثر سلباً في أسواق الأسهم.

 

قلق كبير

وبالتزامن مع غرق ليبيا بمشاكلها الجيوسياسية التي طال تأثيرها شتى أرجاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتزايد القلق إلى حد كبير من مسألة ارتفاع أسعار النفط، إذ تسهم ليبيا بإنتاج نحو ‬1,6 مليون برميل يومياً من أصل إمدادات أوبك البالغة ‬30 مليون برميل يومياً، علماً أن أوبك تمتلك نحو خمسة ملايين برميل يومياً من الطاقة الفائضة منذ بداية ‬2011.

ويتجسد الخوف الأبرز حالياً في احتمال توقف ليبيا أو الجزائر عن عمليات الإنتاج نتيجة المشاكل الجيوسياسية، الأمر الذي سيفضي إلى تقليص الطاقة الفائضة اليومية للمنظمة بنسبة ‬2,4٪ من أصل إجمالي الطاقة الإنتاجية، وهي النسبة ذاتها التي أدت مسبقاً إلى ارتفاع الأسعار على نحو كبير. ومن شأن المستويات العالية الحالية لمخزونات النفط أن توفر مظلة حماية من الأسعار المرتفعة على المدى القريب، حيث تغطي مخزونات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الاحتياجات من النفط الخام لمدة ‬48 يوماً، كما تسد احتياجات المنتجات النفطية لمدة ‬42 يوماً.

 

نهج حذر

ويوصي الخبراء المستثمرين بتبني نهج حذر في خضم الظروف الجيوسياسية الحالية المحدقة بالسوق، ويؤكدون ضرورة وضع مسألة المحافظة على الثروات على رأس الأولويات في هذه الفترة. كما يحثون معظم المستثمرين ممن يتطلعون للحفاظ على رؤوس الأموال على الالتزام بمزيج استثماري من النقد والسندات وسلع الذهب، فضلاً عن تأمين انكشاف متواضع على الأسهم.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة نتيجة سعي العديد من المستثمرين إلى البحث عن استثمارات أكثر أماناً، بينما هبطت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات من مستوى ‬3,65٪ إلى ‬3,40٪ على مدى الأسبوعين الماضيين. كما ارتفع سعر الذهب من ‬1313 دولاراً للأوقية أواخر يناير إلى أكثر من ‬1400 دولار خلال التداولات الأخيرة.

وواصلت أسواق السندات المحلية صمودها على نحو جيد؛ فعلى مدار الأسبوعين الماضيين، ارتفعت أسعار مقايضة العجز الائتماني الافتراضي لديون إمارة دبي من ‬400 نقطة أساس إلى ‬452 نقطة. ولا نزال نبدي تفاؤلاً إزاء الشراء في أسواق السندات المحلية المدعومة بالأمان الذي تشهده أسواق السندات الحكومية الأميركية.

 

حافز مهم

وسيمثل استقرار الأوضاع الجيوسياسية حافزاً مهماً لتشجيع الإقبال الاستثماري في السوق على المدى القريب. ومن المهم للغاية ترقب التوقعات والبيانات الاقتصادية خلال الأشهر القليلة المقبلة. ويسود اعتقاد بأن هذه البيانات ستكون مثقلةً بتأثيرات تواصل ارتفاع أسعار النفط. كما يتوقع عقب سلسلة البيانات القوية للغاية أن تكشف البيانات الاقتصادية الأميركية والأوروبية عن ظهور إشارات ضعف وبعض المؤشرات المبدئية لتباطؤ في الأداء على صعيد مؤشرات الثقة الصناعية وثقة المستهلك.

وسيسهم ارتفاع أسعار النفط في تقليل إنفاق الفرد على استهلاك الطاقة بوتيرة متسارعة، وقد يغدو الصناعيون أكثر تردداً إزاء المساهمة في نمو الإنتاج الصناعي بسبب خشيتهم من تزايد تباطؤ الاقتصاد العالمي. ففي الأسبوع الماضي فجّر مسح مؤشر الثقة في القطاع الصناعي الصيني مفاجأة في السوق مع تسجيله مستويات متدنية، رغم أن طلبات التصدير فاقت التوقعات.

 

معضلة كبيرة

السؤال الذي يتبادر للأذهان في هذه المرحلة هو تحديد الخطوات الكفيلة بتهدئة الوضع الاقتصادي المضطرب في الأسواق. وتكمن الإجابة عن هذا التساؤل في حل المشاكل الجيوسياسية بالمنطقة، فبالرغم من اندلاع الاضطرابات والفوضى في تونس ومصر، غير أن ذلك قد يساعد على تحقيق بعض الاستقرار في ظل الإصلاح السياسي واستقرار الأنظمة الجديدة الذي من شأنه تعزيز قدرة الأسواق على مواجهة موجات التقلب. وستتكشّف أولى علامات الاستقرار من خلال أسعار النفط. ولسوء الحظ تشير المعطيات الراهنة إلى تزايد احتمالات ارتفاع الأسعار.

حيث شهد سعر خام غرب تكساس الوسيط- الذي كان يقف عند عتبة ‬98 دولارا للبرميل صعوداً بنسبة ‬20٪ عن مستوياته قبل عام. وبناءً على ذلك يتعين بذل جهود حثيثة تضمن عودة استقرار سعر البرميل عند عتبة ‬85 دولارا، وذلك بغية تقليص آثار التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، رغم أن المعطيات الحالية تشير لاحتمال صعود الأسعار في المرحلة المقبلة.