شهد الأسبوع الماضي هوة واضحة بين حجم الإقبال الإيجابي على الاستثمار في أسواق الأسهم وبين النظرة الأكثر حذراً فيما يخص أسواق السندات إذ ارتفعت عوائد السندات بشكل يعكس مخاطر التضخم والخطوات المبكرة نسبياً من جانب البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة. فعلى سبيل المثال عمدت الأسواق النقدية إلى خصم الارتفاع في أسعار الفائدة الرسمية في منطقة اليورو والمملكة المتحدة لاسيما وأن أسهم هذه الأسواق غير قادرة على تحقيق نمو جيد ومستدام دون التعرض لمخاطر ارتفاع أسعار الفائدة.
أسواق المخاطرة
وقال غازي دوغان الرئيس الأول للاستثمار في الخدمات المصرفية الخاصة في بنك الإمارات دبي الوطني: شهدت أسواق المخاطر أداءً جيداً وإيجابياً خلال الأسبوع الماضي رغم المشاكل المستمرة التي تعصف بالاقتصاد العالمي ولكن ينتابنا- عقب موجة الارتفاع الحاد بعض القلق خشية تعرض هذه الأسواق لضغوطات البيع مما يدفعنا هنا إلى تشجيع المستثمرين على جني بعض أرباح أسهمهم في الأسواق المتقدمة على وجه الخصوص. كما نعتقد بأن السوق يواصل مسيرته متجاهلاً العديد من المخاطر المستمرة المتمثلة في النمو الضعيف، والقلق حيال التضخم المتزايد في الأسواق المتقدمة، فضلاً عن المشاكل السياسية بمنطقة الشرق الأوسط.
أسعار الفائدة
وأوضح بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأسبوع الماضي أن أسعار الفائدة ستبقى منخفضة للغاية لأن مخاطر تراجع النمو في الولايات المتحدة لا تزال مرتفعة. وفي الوقت ذاته واصل التضخم ارتفاعه على نحو مفاجئ في معظم أجزاء العالم مما وضع الحكومات والبنوك تحت ضغوط رفع أسعار الفائدة. وبناءً على ذلك يرى الخبراء ضرورة توخي الحكمة والحذر في أسواق السندات بدلاً من الاندفاع المفرط والمغامر في أسواق الأسهم.
أسواق الأسهم
وبالنسبة لأسواق الأسهم وعلى الرغم من أن المنحى السائد يصب في مصلحة العملاء حالياً يقول دوغان: نحن في غاية الارتياب لاحتمال هبوط سوق الأسهم الأميركية بشكل كبير أو حتى انعكاسها إلى حد ما. وتبدو البيانات الاقتصادية الأميركية أكثر تفاوتاً مع اتساع الهوة بين مؤشري الثقة الصناعية وثقة المستهلك فبعد الأنباء الطيبة التي شهدتها الأشهر الماضية جاءت البيانات الواردة خلال الأسبوع الماضي من الولايات المتحدة أكثر التباساً. ولم ينفع الهبوط المستمر لأسعار المنازل في تعزيز إقبال المستهلكين إذ تراجع مؤشر كيس شيلر الأميركي لأسعار المنازل بواقع 0,2٪ خلال ديسمبر في أكبر عشرين مدينة أميركية وذلك بعد هبوطه بنسبة 0,2٪ في نوفمبر. ولا يزال المؤشر منخفضاً بواقع 3,1٪ على أساس سنوي رغم تباطؤ وتيرة انخفاضه من أي -5,3 ٪ في نوفمبر. وجاءت الأخبار طيبة من القطاع الصناعي بحسب المسوحات الاستقصائية الإقليمية التي أظهرت مستويات أفضل مما كان متوقعاً.
الأسهم الهندية
من جهة أخرى، شهدت أسواق الأسهم الهندية تراجعاً بنسبة 11٪ منذ بداية العام بينما حافظت الأسهم الصينية على استقرارها معظم الوقت. وثمة بعض مؤشرات الاستقرار في أسواق الأسهم الهندية والصينية التي ارتدت مبتعدة عن أدنى مستوياتها في الأسابيع الأخيرة. أما المستثمرون الأفراد فقد واصلوا بيع أسهمهم والانتقال للاستثمار في أسهم الأسواق المتقدمة. وبناءً على ذلك يجب توخي الحذر حيال توقعات أسهم الأسواق الناشئة ولكن في الوقت ذاته يوصي الخبراء بشراء السندات فيها لاسيما وأن عدداً من هذه الأسواق مستمر في مواجهة تحديات التضخم. فقد لجأت السلطات الصينية والبنك المركزي إلى زيادة متطلبات الاحتياطي من 0,5٪ إلى 19,5٪ في محاولة أخرى لكبح جماح الإقراض المصرفي والتضخم وذلك على خلفية ارتفاع معدل الإقراض بمقدار الضعف في يناير، قياساً مع ديسمبر 2010.
الأسواق الإقليمية
وعلى الرغم من تعرّض الأسواق العالمية لموجة صعود قوية، إلا أن أسواق أسهم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بقيت بمنأى عن هذا الصعود بسبب غرقها في المشاكل الجيوسياسية وتبعاتها السلبية. وانطلاقاً من هذه النقطة يمكن القول إن مخاطر الهبوط ناجمة في المقام الأول عن حركة البيع العالمية المستمرة لأسواق الأسهم المحلية. ولسوء الحظ يستبعد في الوقت الراهن كبح جماح الأداء الضعيف للأسهم ما لم يتم إيجاد حل سياسي ناجع لمشاكل المنطقة على مدى الشهور القليلة المقبلة. وسيكمن الأمل الوحيد لاستقرار المنطقة في قيام مصر أو تونس بوضع خريطة طريق ملائمة توضح كيفية توفير الحلول للمسائل السياسية المؤثرة على النمو والاستثمار. وسيفضي ترسيخ الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى مساعدة المنطقة في الاستفادة إلى حد كبير من أسعار النفط المرتفعة بما يضمن تعزيز النمو وتوفير بيئة حيوية ومواتية تحفز أداءها انطلاقاً من الأسواق المالية المحلية.
دلالة منطقية
وفي دلالة واضحة على الوضع الراهن قام بنك انجلترا في تقريره الصادر الأسبوع الماضي برفع توقعاته حول التضخم وخفضها فيما يخص النمو الاقتصادي. وعند هذه النقطة تبقى النظرة الحذرة بخصوص توقعات الاقتصاد البريطاني والجنيه الإسترليني حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلك البريطاني إلى 4,0٪ على أساس سنوي في يناير مقارنة مع 3,7٪ في ديسمبر بينما صعد مؤشر أسعار التجزئة إلى 5,1٪ من 4,8٪. ورغم أن بعض مؤشرات النمو قصيرة المدى، مثل مبيعات التجزئة، كانت أقوى من المتوقع إلا أن مؤشر ثقة المستهلك أظهر انخفاضاً حاداً إلى أدنى مستوى له منذ 20 شهراً. وخلال زيارتي الأخيرة إلى المملكة المتحدة، لاحظت انشغال الصحف بتنامي مستويات البطالة خصوصاً في القطاع العام، وارتفاع تكاليف المعيشة فضلاً عن التأثيرات السلبية لتقليص الإنفاق الحكومي.
