تواصل «البيان» في الجزء الرابع من مطالعتها تعزيز لجنة التحقيق الأميركية في الأسباب التي أدت إلى الأزمة المالية نشر وقائع جلسات الاستماع والمقابلات التي أجريت على مدى ‬18 شهرا من عمل اللجنة.

وقال التقرير إن أسعار الفائدة المنخفضة ورؤوس الأموال الأجنبية في إذكاء الطفرة وأن الأموال تدفقت في شرايين الاقتصاد كانهمار المياه من سد تصدعت جدرانه. وتربح عمال البناء ومهندسو المسطحات الخضراء ووكلاء العقارات ووسطاء القروض والمقيمون من مين ستريت في حين صعدت بنوك الاستثمار والمضاربون في وول ستريت عاليا على هرم الأرباح الأميركية. ووصلت أسعار الأسهم لمعظم شركات الخدمات المالية النشطة إلى أعلى مستوى لها. ويشير التقرير إلى أن المجلس الاحتياطي الفدرالي خفض سعر الفائدة مطلع القرن الجديد وانخفضت أسعار الرهن العقاري. وارتفع تمويل المنازل ليتصاعد إلى ‬460 مليار دولار في عام ‬2000 وإلى ‬2,8 تريليون في ‬2003 مما سمح للأفراد سحب ملكيات بنيت على مدى عقود سابقة واستهلاك المزيد رغم ركود الأجور. ووصلت أسعار المنازل إلى أرقام فلكية في بعض المناطق وازدادت ضعفين وضعفين ونصف في ساكرمنتو على سبيل المثال في غضون خمسة أعوام فقط. وارتفعت بنفس النسبة في بيكرزفيلد وميامي وكي ويستز. وتصاعدت الأسعار بأكثر من الضعف في ‬110 منطقة حضرية بما فيها فونيكس واتلانتيك ستي وبلتمور واف تي لوديريل ولوس انجلوس وروكيبسي وسان دييجو وويست بالم بيتش.

تمويل المنازل

وبإعادة تمويل منازلهم استحوذ الأميركيون على تريليوني دولار في ملكيات منازل بين عامي ‬2000-‬2007. وفي النصف الأول من عام ‬2005 كان أكثر من منزل من بين عشرة منازل بيع إلى مستثمر ومضارب أو شخصا يشتري منزلا آخر. وسحب أصحاب المنازل السيولة من منازلهم لإرسال أبنائهم إلى الجامعات وسداد فواتيرهم العلاجية وتركيب مطابخ عصرية بمناضد غرانيتية والقيام بإجازات أو إطلاق أعمال تجارية جديدة. كما سددوا بطاقات ائتمانهم رغم ارتفاع ديونهم الشخصية. وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن ‬5٪ من أصحاب المنازل سحبوا سيولة نقدية لشراء سيارات وأن أكثر من ‬40٪ أنفقوا السيولة على دفع الضرائب والملابس والهدايا ومصاريف المعيشة. واستخدم المستأجرون أشكالا جديدة من القروض لشراء منازل والانتقال إلى مناطق ريفية.

حمى الذهب

وفي مقابلة مع انجيلو موزيلو الرئيس التنفيذي المخضرم لكانتري وايد فاينانشيال، شركة الإقراض التي دمرها الرهن المخاطر أن عقلية حمى الذهب طغت على البلاد خلال تلك السنوات وأنه راح يلهث وراءها أيضا. وأضاف أن أسعار المنازل كانت ترتفع بوتيرة متسارعة بمعدل لم يشهده كما قال في ‬55 عاما من ممارسته للعمل التجاري بحيث أن الناس حتى العاديين منهم انخرطوا في جنون شراء المنازل، واستبدالها والكسب من ورائها. وأضاف: لقد اشتروا منزلا ربحوا من ورائه ‬50 ألف دولار ويحتفلون بذلك. وتحولت المساكن من مجرد كونها حلما أميركيا لإيواء العائلة والاستقرار إلى سلعة. وهكذا فقد حدث تحول في الثقافة. وكان ذلك مفاجئا وغير متوقع.

تحويل المضمون

وبعد أن كانت في الظاهر عقارا تحولت أداة الإقراض الرهني العقاري وآلية التمويل إلى استثمار سمي سندات ساعدت في استنزاف السيولة النقدية من وول ستريت إلى سوق الإسكان الأميركية. أما في الباطن فكان هناك خلل ما أشبه بفيلم خيال علمي تتحول فيه العناصر المنزلية إلى أدوات معادية كانت آليات السوق المعتادة تتحول. وخرجت أسعار فائدة الرهن العقاري التي صمدت ‬30 عاما، مع دفعة أولى بنسبة ‬20٪ عن نطاقها. وأصبح هناك طلب عالمي على السندات السكنية المدعومة بالرهن العقاري التي توفر عوائد ثابتة وقوية. وتهافت المستثمرون من أنحاء العالم على شراء سندات قائمة على العقارات الأميركية التي اعتبرت أكثر رهان آمن في العالم. وانكب وول ستريت على تلبية الطلب. وكسب باعة السندات علاوات بملايين الدولارات، بترتيب وبيع أنواع جديدة من القروض، معروضة من قبل أنواع جديدة من المقرضين إلى أنواع جديدة من المنتجات الاستثمارية اعتبرت آمنة لكنها تمتلك مخاطر خفية ومخاطرة.

عمليات حبس

في الأشهر اللاحقة أخذت سوق الإسكان الأميركية في التباطؤ. ورغم ذلك فإن وول ستريت ظل سائرا في غيه ماضيا في ترتيب القروض وحزمها في سندات، محققا الأرباح، ومجمعا العلاوات. وفي الربع الثالث من ‬2006 بدأت أسعار المنازل في الانخفاض وازدادت عمليات التخلف عن سداد قروض الرهن العقاري، وهي مجموعة عوامل تضاعفت بالنسبة للسندات المدعومة بالرهن العقاري. غير أن البنوك أصدرت وباعت في الربع الثالث من العام ذاته ما قيمته ‬1,3 تريليون دولار سندات مدعومة بالرهن العقاري وأكثر من ‬350 مليار من التزامات الدين المضمون المرتبطة بالرهن العقاري.

وهب بعض المسؤولين التنفيذيين لإطلاق صيحة تحذير، في وقت كانت تنهار فيه مبادئ حوكمة الشركات وإدارة المخاطر. وقال جيمي دايمون الرئيس التنفيذي ل جي بي مورجان في شهادتها أمام اللجنة، أنه ينحو باللائمة على فريق الإدارة بالكامل ولا أحد غيرهم.

في حين ضربت كثير من الإدارات في شركات مالية عدة عرض الحائط بالمخاطر المتزايدة على شركاتها. ففي ليمان براذرز على سبيل المثال، حذر كل من مايكل جيبلاند رئيس الدخل الثابت وزميلته مادلين انتونيسي من اتخاذ مواقف مخاطرة في وجه الضغوط المتزايدة لمنافسة بنوك استثمارية أخرى بقوة. وقد نحيت انتونيسي التي كانت المسؤولة الأولى عن المخاطر بين عامي ‬2004-‬2007 جانبا. ثم أعيد تعيينها في منصب سياسي للعمل مع المؤسسات التنظيمية الحكومية. أما جيبلاند فقد غادر البنك. وعزى مسؤولو البنك رحيل جيبلاند لخلافات فلسفية.

أما جيل بيركس رئيسة ومديرة ننيفادا فير هاوسنغ وهي عايدة سكنية مقرها لاس فيجاس فقد أبلغت اللجنة أنها نقلت مع مجموعات أخرى مخاوفها مباشرة إلى جرينسبان واصفة له شخصيا ما أسمته «تحولا» في صناعة الإقراض.

كما أن ليزا ماديجان النائب العام في الينوي لمست ظهور اتجاه مثير للقلق. وضمت جهودها إلى نواب عامين من منسوتا وكاليفورنيا وواشنطن وأريزونا وفلوريدا ونيو يورك وماساتشوتيس في متابعة مزاعم حول شركة فيرست اللايانس للرهن العقاري وهي شركة إقراض رهنية مقرها كاليفورنيا. وتلقت بلاغات من مستهلكين يقولون فيها أنهم تعرضوا للخداع في الحصول على قروض برسوم عالية.

كما انضم مسؤولون حكوميون من أنحاء البلاد مرة أخرى في ‬2003 للتحقيق في شركة إقراض أخرى سريعة النمو وهي امريكويست ومقرها كاليفورنيا. حيث أنها كانت أصبحت أكبر شركة إقراض عالي المخاطر في البلاد مصدرة قروضا عالية المخاطر بقيمة ‬390 مليار دولار في ‬2003، معظمها إعادة تمويل سمحت للمقترضين الحصول على أموال نقدية من منازلهم، ولكن برسوم عالية قضمت ممتلكاتهم. وشهدت ماديجان أمام اللجنة أن التحقيقات الخاصة بالشركة أثبتت أنها انخرطت في جميع الممارسات الاحتيالية، برفعها أسعار الفائدة على قروض المقترضين أو تحويل قروضهم من أسعار فائدة ثابتة إلى أسعار فائدة معدلة وتعد المقترضين بأن في وسعهم إعادة تمويل قروضهم المكلفة إلى قروض بشروط أفضل في غضون أشهر أو عام على أبعد تقدير والمبالغة في تقييم المنازل، رغم عدم امتلاك المقترضين لعقار يتحمل تمويلا آخر. وبدوره قال أيد باركر الرئيس السابق لدائرة التحقيق في الاحتيال الرهني في شركة أمريكويست أنه لمس وجود احتيال في الشركة خلال شهر من مباشرة عمله في يناير ‬2003 غير أن الإدارة العليا لم تفعل شيئا بالتقارير التي بعثها.

المقترضون تعرضوا للتضليل وقبلوا الشروط بسذاجة

ضلل بعض الأشخاص بعض الباعة الذين جاءوا إلى بيوتهم وأقنعوهم بالتوقيع على مستندات قروض على طاولات مطابخهم. ووثق بعض المقترضين عن سذاجة بوسطاء قروض الرهن العقاري الذين حققوا مكاسب جمة بوضعهم في قروض خطرة بدلا من القروض المأمونة. وتمكن هؤلاء المشترون بتلك القروض من المساومة على أسعار المنازل حتى وإن لم يكونوا يمتلكون الدخل الكافي للتأهل لقروض تقليدية. وبدأت تلك الأدوات المالية تغرق السوق على أوسع نطاق بين عامي ‬2004-‬2004. وحدث التغيير بين عشية وضحاها. وأبلغ فيث شوارز الرئيس التنفيذي آنذاك لمؤسسة الإقراض عالي المخاطر أوبشن ون والرئيس التنفيذي اللاحق لشركة هوب ناو مجموعة التأمين ضد الحجز المجلس الاستشاري للمستهلكين التابعة للمجلس الاحتياطي الفدرالي أنه يجزم أن كل مقرض في البلاد كان له ضلع في ذلك بطريقة أو بأخرى.

الأخطار الكامنة

كثيرون لم يدركوا في البداية الأخطار الكامنة لتلك القروض الجديدة. فقد كانت جديدة بالفعل وكانت مختلفة ولم تكن النتائج مضمونة. غير أنه سرعان ما اتضح أن ما خيل للبعض أنه ثروة سقطت من السماء كان مجرد سراب مبني على أموال مقترضة. وصعدت ديون الرهن العقاري في الولايات المتحدة من ‬5,3 تريليونات دولار في ‬2001 إلى ‬10,5 تريليونات دولار في ‬2007. وارتفعت ديون الرهن بالنسبة للأفراد الأميركيين في قرابة ست سنوات من عام ‬2001-‬2007 كما لم ترتفع خلال ‬200 عام من تاريخ البلاد.

وكانت مبيعات القروض تعني مزيدا من الأرباح لكل الأشخاص الضالعين في السلسلة. وازدهرت الأعمال بالنسبة لكريستوفر كروز، وهو مدرب تجاري يتخذ من ماريلاند مقرا له يتولى تدريب مسؤولي القروض للشركات التي كانت توسع توجهاتها الرهنية. وقد طاف البلاد طولا وعرضا مدربا ‬10,000 منشئ للقروض سنويا في قاعات الدرس والمحاضرات. وضمت قائمة عملائه عددا من كبار المقرضين ومنهم كانتري وايد وأمريكويست ودايتك. وكان معظم المتدربين الجدد من الشبان الأغرار ممن لا يملكون خبرات سابقة، وحديثي التخرج من الجامعات .

قروض المنازل

وسرعان ما دخلت قروض المنازل النظام بعد توقيع المقترضين للمستندات واختيار مفاتيح. ووضعت القروض في حزم وبيعت بمجموعات إلى شركات التوريق بما فيه بنوك استثمارية مثل ميريل لينش وبير ستيرنز وليمان براذرز وبنوك تجارية وتوفير مثل ستي بنك وويلز فارجو وواشنطن ميوتشوال. وكانت الشركات تجمع القروض في حزم سندات سكنية مدعومة بالرهن العقاري كانت في معظم الأحيان تمهر بتصنيف ممتاز بواسطة وكالات الرهن العقاري، وتباع إلى المستثمرين. وكانت السندات في كثير من الأحيان يعاد تجميعها في حزم التزامات دين مضمونة تتكون في الغالب من أجزاء أكثر مخاطرة من تلك السندات. وكان بعض المستثمرين يشترون استثمارا من تسعينات القرن الماضي يدعى «مقايضة عجز الائتمان» أو كلفة تأمين الدين للحماية ضد العجز عن سداد تلك السندات.

ونمت تلك الأدوات وازدادت تعقيدا، حيث صنعت التزامات دين مضمونة لصنع التزامات دين مضمونة تربيعية. وعندما نفدت المنتجات من الشركات، راحت تصنع منتجات اصطناعية أرخص باسم التزامات دين اصطناعية مضمونة مكونة من سندات رهن عقاري، لكنها تراهن على منتجات رهن أخرى. وخلقت عمليات التبادل المتلاحقة فرصا جديدة لاستخلاص مزيد من الرسوم وأرباح التداول.

علاقة السندات

وعند استكمال العملية أصبح رهن منزل في جنوبي فلوريدا جزءا من عشرات السندات المملوكة لمئات المستثمرين، أو جزءا من رهانات قام بها المئات غيرهم. وقضى رالف سيوفي عدة سنوات يصنع التزامات دين مضمونة لبير ستيرنز وسنوات أخرى في إعادة الشراء والتي كانت مسؤولة عن اقتراض سيولة نقدية في كل ليلة لتمويل محفظة سندات بير ستيرنز الأوسع. وفي عام ‬2003 أسس سيوفي صندوقا تحوطيا في بير ستيرنز باستثمارات لا تقل عن مليون دولار.