كشف تقرير اللجنة الأميركية للتحقيق في أزمة الائتمان (في الجزء الثالث من مطالعة التقرير الذي حصلت البيان على نسخة منه)، أن خلصت اللجنة من خلال تحقيقاتها وتحرياتها في أسباب الأزمة المالية إلى نتيجة هامة مفادها أن وكالات التصنيف الائتماني كانت بمنزلة تروس أساسية في عجلة الدمار المالي.

وكانت وكالات التصنيف الائتماني الثلاث عاملا أساسيا في الركود المالي. إذ لم يكن بالإمكان تسويق وبيع سندات الرهن العقاري دونما موافقتها. فقد اعتمد المستثمرون عليها وغالبا بصورة عمياء. وما كان للأزمة المالية أن تحدث لولا وكالات التصنيف الائتماني تلك. كما ساعدت تصنيفاتها في صعود السوق، في حين أدت تخفيضاتها بين عامي ‬2007 و‬2008 إلى بث الذعر والاضطراب في الأسواق والشركات. فخلال عامي ‬2000-‬2007 صنفت موديز قرابة ‬45,000 من السندات المرتبطة بالرهن العقاري عند التصنيفش AAA.

مقارنة بست شركات من القطاع الخاص في الولايات المتحدة حملت هذ التصنيف المرغوب في ‬2010. وفي عام ‬2006 وحده منحت موديز تصنيف AAA لثلاثين سندا مرتبطا بالرهن العقاري في كل يوم عمل. وكانت النتيجة كارثية، حيث أن ‬83٪ من السندات المرتبطة بالرهن العقاري المصنفةAAA خفض تصنيفها في نهاية الأمر عامذاك. وسنجد أنه لولا المشاركة الحقيقية لوكالات التصنيف الائتماني لما أصبحت على ما هي عليه.

المشتقات المالية الاصطناعية

وكشف التقرير أن غولدمان ساكس احتكم وباع ما قيمته ‬73 مليار دولار من المشتقات المالية الاصطناعية المتداولة خارج السوق من بداية شهر يوليو ‬2004 إلى ‬31 مايو ‬2007. وفهرست المشتقات المالية الاصطناعية من خارج السوق التي أصدرها جولدمان ساكس أكثر من ‬3400 سند للرهن العقاري و‬610 منها فهرست مرتين على الأقل.

وعندما انفجرت الفقاعة العقارية وأعقبتها الأزمة المالية كانت المشتقات في وسط العاصفة. وتم انقاذ شركة « ايه اي جي» التي لم تكن مطالبة بوضع رساميل احتياطية كملاءة للحماية التي كانت تبيعها، عندما عجزت عن الوفاء بالتزاماتها. ورصدت الحكومة في النهاية أكثر من ‬180 مليار دولار بسبب مخاوف من أن يؤدي انهيار « ايه اي جي» إلى احداث خسائر متصاعدة في النظام المالي العالمي برمته.

وعلاوة على ذلك فإن وجود ملايين من عقود المشتقات من مختلف الأنواع بين مؤسسات مالية هامة، غير مرئية وغير معروفة، أضفى قدرا من الشك وصعد الذعر وساعد في مشاركة الحكومة في مساعدة تلك المؤسسات.

نموذج اقتصادي فاسد

وفيما يخص فائض السيولة فقد حدد التقرير السياسات النقدية والتدفقات المالية خلال السنوات المؤدية إلى الأزمة. وأسعار الفائدة المتدنية ووفرة رأس المال الغزيرة والمستثمرين الدوليين الساعين لوضع أموالهم في أصول عقارية في الولايات المتحدة كانت جميعها مسببات لفقاعة الائتمان. فقد خلقت تلك الظروف مخاطر متزايدة كان من الضروري إعادة تنظيمها من المشاركين في السوق وصانعي السياسة وأجهزة التنظيم. ولم تكن وفرة السيولة سبب الأزمة بحد ذاتها إنما الفشل. وخصوصا الفشل في كبح جماح الرهونات والأسواق المالية هي الأسباب التي قادت إلى الأزمة.

وفيما يخص دور الشركات المرتبطة بالحكومة مثل فاني ماي وفريدي ماك، فقد كان لها نموذج اقتصادي فاسد باعتبارها شركات مساهمة عامة بدعم صريح من الحكومة الفدرالية ذات مهمة عامة. وكان انكشافها الرهني الذي بلغت قيمته ‬5 تريليونات دولار ووضعها المالي مهما للغاية. وفي عامي ‬2005-‬2006 زادتا من مشترياتهما وضمانهما للرهن العقاري في اوقت الذي كانت ترتفع فيه سوق الإسكان إلى ذروتها. واستخدمت نفوذها السياسي لعقود كيما تتجنب الرقابة الفعالة والإشراف، منفقة ‬164 مليار دولار للضغط من ‬1999 إلى ‬2008. وعانت من نفس الاخفاقات التي واجهتها حوكمة الشركات وإدارة المخاطر كما تبين للجنة في شركات مالية أخرى. وخلال الربع الثالث من ‬2010 قدت وزارة الخزانة ‬151 مليار دولار في صورة دعم مالي للمحافظة على بقائها.

وبات في يقين اللجنة أن هذين الكيانين ساهما في حدوث الأزمة، لكنهما لم تكونا المسبب الرئيسي لها. والأهم من ذلك أن سندات الرهن العقاري للشركات المرتبطة بالحكومة حافظت على قيمها إبان الأزمة ولم تسهم بالخسائر المالية الفادحة التي كانت محورية في الأزمة المالية.

الرهن عالي المخاطر

وقد ساهمت الشركات المرتبطة بالحكومة في توسع الرهن عالي المخاطر والرهونات الأخرى المخاطرة غير أنها تبعت بدلا من قيادة وول ستريت وغيره من المقرضين في الاندفاع إلى حمى ذهب المغفلين. واشترت سندات الشركات المرتبطة حكوميا والمدعومة بغير الرهن العقاري عالية التصنيف وأضافت مشاركتها في تلك السوق وقودا لمنطاد الاسكان غير أن مشترياتها لم تشكل قط الأغلبية السوقية. وشكلت مشترياتها نسبة لا تتجاوز ‬10,5٪ من السندات عالية المخاطر المدعومة بالرهن العقاري للشركات المرتبطة بالحكومة في ‬2001 مع ارتفاع الحصة إلى ‬40٪ في ‬2004 وتراجعها إلى ‬28٪ في ‬2008. وخفضت من معايير ضمانها لشراء أو ضمان قروض أكثر مخاطرة وسندات مرتبطة بالرهن للوفاء بتحليلات السوق وتوقعات المستثمرين للنمو سعيا للحصول على حصة سوقية وضمان تعويضات مجزية لرؤسائها التنفيذيين وموظفيها، مبررة أنشطتها لمجالس الإدارة والدعم الحكومي المستدام لملكية المنازل.

مساهمة هامشية

ودققت اللجنة في أداء القروض المشتراة أو الضمانات التي قامت بها فاني ماي وفريدي ماك. كما درست بتعمق كيفية تأثير الأهداف المتاحة من قبل وزارة الإسكان والتطوير العمراني للشركات المرتبطة بالحكومة على استثماراتها في الرهون المخاطرة. واستنادا على الأدلة ومقابلات عشرات الأشخاص المعنيين في هذا الإطار، قررت اللجنة أن تلك الأهداف ساهمت مساهمة هامشية في مشاركة فاني ماي وفريدي ماك في تلك الرهون العقارية.

وفيما إذا كانت سياسات الحكومة الإسكانية كانت السبب الرئيسي في الأزمة، ترى اللجنة أن سياسة الحكومة وعلى مدى عقود طويلة شجعت ملكية المنازل من خلال مجموعة حوافز، وبرامج مساعدة وتفويضات. وقد وضعت تلك السياسات موضع التطبيق وروج لها من قبل الإدارات المتعاقبة والكونغرس. وتؤكد أن الرئيسين بيل كلنتون وجورج دبليو بوش وضعا أهدافا طموحة لزيادة ملكية المنازل.

وخلصت اللجنة إلى أن قانون إعادة استثمار المجتمع الذي سن في عام ‬2007، لم يكن عاملا أساسيا في الإقراض عالي المخاطر أو الأزمة. حيث أن الكثير من المقرضين للقروض عالية المخاطر لم يكونوا خاضعين لهذا القانون. وأظهرت الأبحاث أن ‬6٪ فقط من القروض عالية الكلفة أو عالية المخاطر كانت لها علاقة بهذا القانون.

وتبين للجنة فشل المجلس الاحتياطي الفدرالي وغيره من جهات التنظيبم في كبح جماح الإقراض غير المسؤول فقد ارتفعت ذروة ملكية المنازل في ربيع ‬2004 ثم بدأت في التراجع.

شهادات من قلب النظام المالي تكشف ضبابية رؤى المسؤولين

خلال الجلسات العامة للجنة الأميركية للتحقيق في أزمة الائتمان ومقابلاتها شهد كثير من مسؤولي الصناعة المالية وكبار المسؤولين الحكوميين بأنهم صدموا بالأزمة المالية، واصفينها بأنها تحول دراماتيكي ومحير للأحداث. وحتى بين هؤلاء الذين توقعوا تفجر فقاعة الإسكان وهم قلة، هذا إن وجدوا أصلا، تنبأوا بحجم الكارثة التي ستحدث.

ووصف تشارلز برنس رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق لمجموعة ستي جروب انهيار أسعار المنازل بأنها لم تكن متوقعة على الإطلاق.

خداع جماعي

وأكد وارين بوفيت رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبيركشير هاثوي، والذي كان حتى ‬2009 أكبر مساهم فردي في مؤسسة «موديز» أن عددا ضئيلا للغاية من الناس كان في مقدورهم توقع الانفجار والتي سماه خداعا شارك فيه ‬300 مليون أميركي.

أما لويد بلانكفين رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي لجولدمان ساكس جروب فقد شبه الأزمة المالية بإعصار هائج.

اعتراف بالفشل

وأبلغ بين برنانكي رئيس المجلس الاحتياطي الفدرالي منذ ‬2006 اللجنة، أن عاصفة مالية كاملة عجزت الأجهزة التنظيمية عن التنبؤ بها. ولدى سؤاله عما إذا كان افتقار المجلس الاحتيطي الفدرالي لجديته في الرقابة وتنظيم سوق الرهن العقاري خلال طفرة العقارات يعد فشلا قال: نعم بالفعل كان كذلك. مضيفا أنه يعتبره أكبر فشل للمجلس الاحتياطي الفدارلي في هذه الواقعة بالذات.

أما الان غريسبان رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي خلال العقدين المؤديين إلى الانهيار، (والذي سبق برنانكي) فقد أبلغ اللجنة أنه كان فوق قدرة الأجهزة التنظيمية التنبؤ بالانهيار القوي. مضيفا أن التاريخ علمنا أي (الجهاز التنظيمي) عاجزعن تحديد توقيت الأزمة، أو توقع مكان حدوثها بالتحديد أو حجم الخسائر أو التداعيات التي ستتمخض عنها.

دلائل كثيرة

والحقيقة أنه كانت هناك مؤشرات تحذيرية. فخلال العقد السابق للأزمة المالية كانت هناك دلائل كثيرة على أن اسعار المنازل ستتضخم، وأن ممارسات الاقراض انفلتت من عقالها، وأن كثيرا من أصحاب المنازل حصلوا على قروض ورهون لن يتمكنوا من سدادها، وأن المخاطر المحدقة بالنظام المالي تتنامى بغير عقال.

وكانت أجراس الانذار تدق داخل المؤسسات المالية، ومكاتب الأجهزة التنظيمية، ومؤسسات خدمة المستهلكين، ووكالات انفاذ القانون المحلية والشركات التجارية في أنحاء أميركا إلى جانب المناطق المجاورة للبلاد. وقد أحس كثير من التنفيذيين العارفين بالمتاعب وتمكنوا من تجنب حطام القطار. وفيما كانت أعداد غفيرة من الأميركيين تشارك في النشوة المالية التي غمرت الأمة، كان هناك آخرون كثر يطلقون الصيحات للمسؤولين الأميركيين وفي أوساط المشرعين المحليين، مشيرين بالبنان إلى ما سيصبح كارثة بشرية، وليس مجرد معضلة اقتصادية.

فقاعة في الأفق

ويقول ريتشارد بريدين الرئيس السابق للجنة الأوراق المالية والسندات المعين من قبل الرئيس السابق جورج دبليو بوش، أن الجميع في العالم أجمع عرفوا أن في الأفق فقاعة رهنية. مؤكدا أنها لم تكن خفية. ولا يمكن القول أن المنظمين لم يقوموا بواجبهم. إذ لم تكن مشكلة خفية. فلم تكن على المريخ أو بلوتو أو في مكان آخر. كانت هناك أمام أعيننا. ولا يمكن عقد صفقات بتريليونات الدولارات دون أن يلاحظ أحد.

وأبلغ بول مكولي العضو المنتدب في بيمكو أكبر شركة لإدارة الأموال في البلاد اللجنة أنه وزملاؤه بدأوا يشعرون بمخاوف حيال مؤشرات خطيرة على فقاعات في ‬2005، وعليه أرسلو ‬20 محللا ائتمانيا في ‬20 مدينة للقيام بما أسماه عملية تمحيص تقليدية روتينية متحدثين إلى وسطاء عقاريين ووسطاء رهن عقاري، ومستثمرين محليين حول أسواق الإسكان والعقار.

ولقد لمسوا ما سماه انحطاطا صارخا لمعايير الضمان. وعندما عادت الشركة بنتائجها وأبلغت ما شاهدته إلى الإدارة العامة للشركة في نيبورت بيتش في كاليفورنيا، عمدت إلى حصر مساهمتها بسندات الرهن العقاري إلى حد كبير.

بنوك وول ستريت

ومن جهته أفاد ارنولد كاتناني رئيس بنك ميشن في بيكرشيلد في كاليفورنيا اللجنة بأنه شعر بعدم الارتياح للجنون المطبق الذي رآه في سوق بناء المساكن الذي غذته بنوك وول ستريت النهمة وبناء عليه اختار أنواع معينة من الاستثمار في ‬2005.

ويليام مارتين نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للخدمات في بنك نيفادا الأول قال للجنة أن الرغبة في عوائد مجزية وسريعة أعمت الناس عن الحقائق المالية.