ارتفع سعر النفط أمس مع اقتراب مزيج برنت من أعلى مستوى في 28 شهرا بفعل مخاوف من أن تؤدي الاحتجاجات المناهضة لنظام الحكم في مصر الى موجة من الثورات. وارتفع خام برنت تسليم مارس 30 سنتا ليصل الى 102,04 دولار للبرميل بعدما لامس 102,08 دولار وهو أعلى مستوى لعقد أقرب استحقاق منذ سبتمبر 2008. وارتفع سعر النفط الخام الخفيف 40 سنتا الى 91,17 دولارا للبرميل.
وقال بنك أبوظبي الوطني في تقرير امس انه يعتبر المخاوف الجيوسياسية مرفقة بتراجع قيمة الدولار من العناصر التي تعطي تفسيراً لوصول سعر خام دبي الفوري إلى 96,9 دولاراً للبرميل في سياق الأسبوع الجاري، إلا أن هذه العناصر ستتلاشى على الأرجح.
وقال جياس غوكنت، كبير خبراء الاقتصاد في البنك انه لم يكن للاضطرابات الجيوسياسية الماضية إلا تأثير مؤقت في أسعار الطاقة، واستبعد أن تكون هذه الحقبة مختلفة. واضاف أن أوبك أعلنت باستمرار أن الإمدادات جيدة في السوق، موردة ذكر المخزونات التي تبقى عند مستويات موسمية عالية.
وقال محللون لدى كريدي سويس من بينهم ستيفان جاربر: مع استمرار التوترات السياسية في مصر ستظل مخاطر الاسعار تتوجه نحو الارتفاع. وعلى الرغم من أن الاضطرابات بمصر لم تؤثر على حركة النقل في قناة السويس أو خط سوميد لنقل النفط قالت مصادر بقطاع الشحن ان هناك اضطرابات كبيرة في ميناءي الاسكندرية ودمياط المصريين بسبب نقص العمالة وغياب موظفي الجمارك. وتسيطر مصر على قناة السويس وخط سوميد اللذين نقلا ما يزيد على مليوني برميل يوميا من الخام والمنتجات النفطية في 2009.
ويقول محللون إن الارتفاع الجديد في سعر النفط قد يشكل في حال ثباته خطرا على النهوض الاقتصادي في حين لا تزال الاقتصاديات الصناعية تمر في فترة نقاهة وحيث يصبح التضخم مجددا عنصر قلق في الدول الغنية والناشئة على السواء. وحذر مركز دراسات الطاقة الشاملة بالقول ان اسعارا نفطية مرتفعة تمثل تهديدا خطيرا للنهوض الاقتصادي «لانها تفاقم التضخم» خصوصا في الدول النامية. وقام الاقتصاديون بتحليل انعكاس سعر الذهب الاسود على النمو فرأوا ان زيادة السعر تؤدي الى زيادة التضخم الذي يمكن ان ينعكس على الانتاج والنقل وبالتالي على اسعار الاستهلاك. ويؤثر ذلك على القوة الشرائية لدى الاسر التي تطالب في المقابل برواتب اكثر ارتفاعا ما يسبب المفاعيل التضخمية التي تعرف بانها من الدورة الثانية. وعلى خط مواز يتراجع الاستهلاك والاستثمار. وفي النهاية يتباطأ النشاط الاقتصادي. وتبقى الاشارة الى تحديد حجم مثل هذا الانعكاس. ويقول اقتصاديون في دويتشي بنك ان قفزة من عشرة دولارات في سعر البرميل تحرم النمو الاميركي من نصف نقطة مئوية. الا ان عددا من الخبراء يعتبرون ان التداعيات تلاشت في الدول الغنية. وفي فرنسا تحدثت دراسة للخبيرتين الاقتصاديتين موريال بارليه ولور كروسون عن مقاومة افضل للصدمات النفطية منذ بداية الثمانينات. وهذا يعود الى سياسة طاقة طموحة للحد من الفاتورة النفطية وسياسة نقدية متشددة لتفادي «حلقات التصخم اللولبية»، وفق رايهما. لكن الدراسة تشير الى ان الانعكاس السلبي على النمو اكثر ظهورا اثناء الفترات التي تكون فيها الظروف الاقتصادية الوطنية والدولية سيئة للغاية وهذه هي الحال في الوقت الراهن.
ويحاول الاقتصاد الاميركي والاقتصاد الاوروبي طي صفحة الانكماش التاريخي في 2009 نهائيا، لكنهما لا يزالان تحت تاثير سياسة نقدية متساهلة. واوضح بن ماي من كابيتال ايكونوميكس انه اذا استمر التضخم في الارتفاع فان المصارف المركزية ستجد نفسها مدفوعة الى التشدد عبر زيادة معدلات الفوائد. وقال ان ذلك سيؤدي خصوصا الى تفاقم وضع الدول الهشة في منطقة اليورو التي تواجه صعوبات للخروج من الانكماش. لكن المخاطر مرتفعة ايضا في الدول الناشئة. اولا لان النمو القوي يترجم لديها باندفاع تضخمي. ويمكن لقفزة اسعار النفط الخام بالتالي ان تؤدي لدى هذه الدول المستهلكة للمواد الاولية بشكل كبير الى ارتفاع الاسعار. ومن جهة اخرى فان الاقتصاديات الناشئة اكثر تبعية للنفط ايضا من االاقتصادات بسبب بنيتها الصناعية وفقاً لفيليب مارتين استاذ العلوم السياسية في باريس. وقال ان ارتفاع سعر النفط سيترجم بالتالي في هذه الدول زيادة في اسعار السلع الصناعية. وقد تتدخل السلطات النقدية هنا ايضا بحزم لتفادي الزيادة وخصوصا في الصين. وسيترجم تباطؤ النشاط الاقتصادي في الصين بنمو عالمي متدن.