توقعت دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة برايس ووترهاوس أن تهدد المصارف العاملة في الاقتصادات الناشئة مستقبل وجود نظيراتها من البنوك الغربية في أسواق النمو الرئيسية في المستقبل، وذلك بالتزامن مع التحولات التي يشهدها العالم لبناء نظام عالمي جديد. وقالت الدراسة إن البيئة التي قضى فيها المصرفيون معظم حياتهم العملية في العصر الحالي قد تغيرت بشكل كبير وإن البحث لا يزال مستمراً حول تأثير الأزمة العالمية الاقتصادية على القطاع المصرفي وعلى خلفية ضعف النمو الاقتصادي في الغرب جنباً إلى جنب مع الصعود القوي للأسواق الناشئة مثل الصين.
وضعان مختلفان
وأشارت الدراسة إلى أن الاحتمالات تتراوح بين الوضع الراهن المحتمل من جهة والنظام العالمي الجديد المكتمل من جهة أخرى. وبالنسبة للسيناريو الأقل احتمالاً تستمر بموجبه المصارف الغربية في مواصلة مساق عملها الحالي، ويظل الغرب مركزاً لاتخاذ القرار والقوة الاقتصادية في القطاع المصرفي العالمي. وجاءت الدراسة التي قامت بها برايس ووترهاوس بهدف إجراء مراجعة متعمقة للأسباب المعروفة وغير المعروفة التي من شأنها أن تشكل التطور المحتمل للسوق المصرفية في العقد المقبل. وأشارت الدراسة إلى أنه في حال وجود نظام عالمي جديد والذي تبين من خلال البحث الذي قامت بإجرائه أنه يسير في هذا الاتجاه وسوف تشكل الأسواق الناشئة كتلة اكتفاء ذاتي في الوقت الذي تكافح فيه المصارف الغربية للبقاء وثيقة الصلة بالموضوع. وسيكون بمقدار المصارف الناتجة عن الأسواق الناشئة الدخول بحرية إلى الغرب وسوف تفعل ذلك بقوة، في حين يجد نظراؤهم الغربيون أنفسهم مبعدين من أسواق النمو الرئيسية الناشئة.
انقسام الآراء
وأوضح رون ماكميلان نائب رئيس مجلس الإدارة المسؤول عن خدمات التدقيق بمنطقة الشرق الأوسط إنه من المرجح أن تظل الآراء منقسمة وفي كثير من الأحيان معارضة تماماً. ولكن تأمل برايس ووترهاوس كوبرز من خلال نتائج البحوث التي خلـُصت لها أن توفر لصـُّناع القرار الحقائق والأفكار الجديدة لتمكينهم من اغتنام الفرص وتحديد التهديدات التي تواجه منظماتهم في تغيير المشهد المصرفي في الوقت الحاضر والمستقبل. وأضاف أنه من المؤكد أن هناك قطيعة بين المستقبل والماضي وأن هناك برامج متعددة في العمل من شأنها أن تشكل الصناعة المصرفية لافتاً إلى أنه في السنوات العشرين التي سبقت الأزمة المالية أصبحت المصارف كبيرة ومعقدة بشكلٍ متزايد.
وأصبح هذا الاتجاه واضحاً بشكلٍ خاص، حيث نمت أصول المصارف على نحوٍ غير متناسب في جميع أنحاء العــالم مقارنة مع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق المحلية لكلٍ منها. في أوروبا، على سبيل المثال، ارتفع الناتج المحلي الإجمــالي الاسمي بنسبة 5,9٪ سنوياً في المتوسط بين 1980 و7002، في حين ارتفعت أصول مصارف القارة بنسبة 19٪ سنوياً في المتوسط في غضون الفترة نفسها. وأضاف: ثم كان بروز نموذج العمل المصرفي الشامل إلى السطح، حيث حاول المقرضون تحقيق ادخارات متناسبة في التكاليف عن طريق زيادة مستوى الإنتاج وأصبح التحرير اسم اللعبة الذي ساعد بدوره على إحداث الأصول ذات القيم المتضخمة وأدى إلى انفجار الديون. خلال تلك الحـِقبة فـإن المصـارف الغربيـة مثل سـيتي غروب واتش اس بي سي لم تكن تدير عملياتها في أسواقها المحلية فقط، بل امتدت على نطاق العالم وسيطرت على الأعمال المصرفية الدولية.
المشهد المستقبلي
وقالت الدراسة: وإن كان من المستحيل أن نعرف على وجه اليقين كيف سيبدو المشهد المصرفي في السنوات العشر المقبلة، إلا أن هناك العديد من العوامل المهمة التي تلعب دوراً حيوياً في تشكيل المصارف المستقبلية التي يمكن أن توفر الشعور بالاتجاه. ومن أبرز تلك العوامل أن نمو الناتج المحلي في الغرب أكثر هدوءاً بعد 30 عاماً من النمو المطرد. وفي أعقاب الأزمة العالمية أصبحت الدول الغربية في مواجهة توقعات اقتصادية ضعيفة تميزت بارتفاع أرقام البطالة وتدابير التقشف والاحتياجات الضخمة لإعادة التمويل. وبالإضافة لذلك فإن القطاع المالي الغربي وبعد التفوق المستمر للاقتصاد ككل من المتوقع أن يتوسع الآن بالوتيرة نفسها أو أبطأ. ومن المرجح أن تقوم الأسواق الناشئة بتنفيذ إغلاق على المصارف التي تسعى للقيام بأعمال تجارية هناك بل وقد تقوم بتحدي تلك المؤسسات المالية في أراضيها.
مجالات التركيز
وفي غضون ذلك وضمن القطاع المصرفي نفسه فإن التركيز يتمحور حول ثلاثة مجالاتٍ رئيسية، وهي: التنظيم والتغير السريع في البيئة الخارجية ومسألة الضوابط الداخلية. ومن حيث التنظيم يرى ماكميلان أن التهديد بانهيار المصارف العالمية لا يزال يلوح في الأفق. كما تتعرض المصارف أيضاً للضغوط، حيث أصبحت متطلبات السيولة ورأس المال أكثر صرامة. علاوةً على ذلك، يسعى المنظمون أيضاً لفرض المزيد من التنظيمات على ما يسمى بظل الصناعة المصرفية، على سبيل المثال صناديق التحوط وبنوك الاستثمار التي كان يعتبرها البعض بوصفها جزءاً من المتهمين بالتسبب في الأزمة العالمية. أخيراً وليس آخراً، يتعين على المصارف تطبيق اتفاقية بازل (3)، مما يشكل مزيداً من التحديات لها. ويشير ماكميلان إلى أن الخلفية التي تعمل البنوك ضمنها لا تزال صعبة. استمرت حالة عدم اليقين الاقتصادي، وواصلت الصين في تعزيز مكانتها باعتبارها مركزاً اقتصادياً عالمياً. وهناك شكوك أيضاً حول ما سيحدث مع الفوائد التي قامت العديد من الحكومات بأخذها من المصارف المحلية لمساعدتها على الحماية أثناء الأزمة المالية. ولفت إلى أنه سيتعين على المصارف أيضاً تولي نظرة أكثر تعمقاً، على سبيل المثال، النظر في الأجور ونظام المكافآت، التي كانت تحت الاستقصاء أيضاً خلال الأزمة العالمية. إضافة لذلك، هناك المزيد من التركيز على المخاطر، والرقابة وحوكمة الشركات، وجميع المجالات التي يتعين على المصارف الاستجابة لها لخفض تعقيدها.