اعلن فيليب ساتل كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، ان الانتعاش الاقتصادي في العالم في عام ‬2010 كان بطيئا وغير متوازن، إذ ظهر الانتعاش القوي في الاقتصادات الناشئة بينما كان نظيره في الاقتصادات الناضجة مخيبا للآمال، مشيرا إلى أن هذا الوضع سيستمر في العام الجديد. ولم يستبعد ساتل احتمال وقوع انكماش مالي في الولايات المتحدة على غرار ما حدث في اليابان، موضحا أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قلق إزاء ذلك بسبب تباطؤ الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة، لأن المشاكل التي ستواجهها الولايات المتحدة في حالة حدوث أي انكماش ستكون أكبر وأخطر، نظرا لارتفاع معدل البطالة فيها وضخامة الديون الخارجية المستحقة عليها.

وتراود كثيرين تساؤلات عديدة حول مستقبل النمو الاقتصادي العالمي في عام ‬2011 بعد انقضاء عام ‬2010 الذى ماج بالاضطرابات والتغيرات التى ضربت جنبات الارض وعصفت بأعتى الاقتصادات. وتتفاوت تلك الاسئلة بين ما إذا كان النمو الاقتصادي المتباطئ سيستمر في اوروبا وكذا الولايات المتحدة التى تواجه خطر التعرض لانكماش مالي، وما إذا كان الاقتصاد العالمي غير المتوازن سيغير مساره ليسلك طريقا قويما؟ وما هي السبل الانجع لتخفيف مخاطر التضخم المالي المحتمل في الاقتصادات الناشئة؟ وبينما تتباين رؤى الاقتصاديين عبر العالم ازاء آفاق الاقتصاد العالمي في العام الاول من العقد الثاني للقرن الحالي، الا انهم يجمعون الرأي على عوامل تهدد الاقتصاد العالمي خلال عام ‬2011 واخرى ينبغي التصدي لها والتعاطي معها لتعزيز التعافي الاقتصادي العالمي.

الانتعاش الاقتصادي

واتسم الانتعاش الاقتصادي في عام ‬2010 بأنه غير متوازن، اذ كانت وتيرة التعافي في الاقتصادات المتقدمة اقل منها في الاقتصادات الناشئة التي حققت معدلات نمو تعد كبيرة في ضوء الازمة المالية التي ضربت جنبات العالم. الا انه وبعد هذا النمو غير المتوازن خلال العام المنصرم يتوقع كثير من المحللين الاقتصاديين استمرار هذا الخلل في عام ‬2011.

ومن جانبه أيد كارل واينبرغ كبير الاقتصاديين لدى هاي فريكوينسي إيكونوميكس هذا الموقف، قائلا إن الجولة الثانية من سياسة التيسير الكمي المطبقة في الولايات المتحدة يحتمل أن تؤدي إلى انكماش مالي بدل التضخم. وقال إن وول ستريت ستواجه خطرين رئيسيين: الديون الأوروبية والميزان المالي الأميركي. وأوضح أن حجم الديون الأميركية قد وصل إلى مستوى لم يسبق له مثيل في التاريخ، أما الميزان المالي الذي نتحدث عنه فإنه لا يعني الحد من الإنفاق وإنما يتطلب زيادة الإيرادات من جراء الانتعاش الاقتصادي القوي.

وقال فابيان زوليغ كبير الاقتصاديين في مركز السياسة الأوروبية، إن هناك خطرا حقيقيا يكمن في عدم استمرارية الانتعاش الاقتصادي الأمريكي، ولكن ذلك شيء والنمو الاقتصادي الطويل الأمد شيء آخر، إذا أخذنا في اعتبارنا ارتفاع إنتاجية العمل في الولايات المتحدة والقدرة التنافسية التي تتمتع بها شركاتها الكبرى على الصعيد الدولي وتناسق تركيبتها السكانية. أما يوري موشيكين رئيس معهد الدراسات الاقتصادية والتجارية العالمية التابع لجامعة الصداقة بين الشعوب في روسيا، فقال إن الدولار الأميركي لا يزال يعتبر أهم عملة نقدية في العالم، مشيرا إلى أنه يبدو أن المتاعب والمشاكل التي تزعج الولايات المتحدة تخدم مصالح منافسيها على المدى القصير، ولكن على المدى البعيد ومن زاوية أوسع، فإن اللاعبين الرئيسيين في أسواق العالم يأملون نهوض التنمية الاقتصادية في الولايات المتحدة، إذ إن الأخيرة ليست فقط أكبر دولة منتجة وإنما أيضا أكبر سوق استهلاكية.

تسوية الديون

عصفت ازمة الديون السيادية باقتصادات العديد من الدول الاوروبية، ولم ينحصر تأثير هذه الازمة داخل حدود تلك الدول الاوروبية، بل امتد تأثيرها الى دول اخرى في داخل اوروبا وخارجها.

وأكد ساتل في هذا المجال أن أزمة الديون اليونانية والأيرلندية قد زادت من حدة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الأوروبي حاليا، لأنها لم تقتصر على اليونان وأيرلندا وحدهما، وإنما امتدت إلى غيرهما من دول أوروبا التي تعاني من نفس الأزمة. وأوضح ساتل أن هذه الأزمة تؤثر سلبا على الأسواق الناشئة في مجالين على الأقل: أولاً، تتسبب في تراجع الطلب على الواردات في هذه الدول بسبب التعديلات التي ستدخلها على نظمها المالية، وثانيا، تؤدي إلى إضعاف مكانة اليورو وإن لم نقل انهيارها. وأكد في هذا الصدد أنه يجب أن تنهض عملات أخرى لتحل محل الدولار الأميركي واليورو، في حال انخفاض سعرهما، مثل العملات المتداولة في الأسواق الناشئة.

نظرة متشائمة

ومن جانبه، أعرب واينبرغ عن تشاؤمه من إمكانية إيجاد حل لأزمة الديون الأوروبية في المستقبل القريب، قائلا إن أمد الأزمة يتوقف على سرعة اتخاذ تدابير موحدة من قبل صانعي القرار، إلى جانب ضخ الأموال مباشرة في النظام المصرفي وتقليل حجم الأصول الرديئة وإعادة هيكلتها في البنوك. غير أن واينبرغ لا يرى إمكانية التوصل قريبا إلى اتفاق بشأن ذلك بين قادة دول العالم، الأمر الذي سيعرض النظام المالي الدولي للخطر. فيما دعا زوليغ إلى ضرورة اتخاذ تدابير شاملة لحل أزمة الديون الأوروبية، قائلا إن الأزمة قد صارت خارج نطاق السيطرة في عدد من الدول الأوروبية، ولا بد من إيجاد حل لها، لأن ذلك يخص إصلاح نمط الإدارة في أوروبا، وإنشاء آلية أفضل لمعالجة الأزمة، والاهتمام على نحو افضل بالنمو الاقتصادي. كما توقع ماكس سينترا الباحث البرازيلي في معهد العلوم الاقتصادية التطبيقية في البرازيل، احتمال انسحاب بعض الدول من منطقة اليورو، قائلا إن أزمة الديون الأوروبية تثبت مدى صعوبة توحيد العملة الإقليمية. وصرح بأن بعض الدول الضعيفة قد تضطر إلى الانسحاب من منطقة اليورو، إذا لم تتمكن أوروبا من توحيد سياساتها النقدية والمالية.