حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصادات سريعة النمو تخاطر بخلق فقاعات مماثلة لتلك التي دفعت العالم الثري للانزلاق إلى أزمة مالية عام 2008. ورسم الصندوق صورتين متباينتين عن رؤيته لواقع الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري. وفي حين رفع الصندوق توقعات النمو إلى 4,4٪ قال إن الدول الغنية لا تزال تواجه معدلات بطالة مرتفعة، وأن بعض القوى الاقتصادية الصاعدة تتعرض لمخاطر تحقيق معدلات نمو أكثر من اللازم. وعزز الصندوق الضغوط على القوى النامية مثل الصين من أجل زيادة أسعار الفائدة ووقف خفض قيمة عملاتها.
وفي تحديث لتوقعاته الاقتصادية والمالية التي استعرضها في جوهانسبيرج بجنوب أفريقيا توقع الصندوق ارتفاعاً بمقدار 0,2 نقطة مئوية في نمو الاقتصاد العالمي عما كان يتصوره في أكتوبر وبمعدل 4,5٪ العام المقبل.
تفاؤل أكبر
وجاءت هذه التفاعلات أكثر تفاؤلاً عن تلك التي تصدرها منظمات دولية أخرى، إذ كانت الأمم المتحدة والبنك الدولي أصدرا توقعات تراوحت بين 3,1 و3,3٪ لمعدل النمو العالمي في 2011. وتكشف بيانات هذا العام تباطؤا مقارنة بالعام الماضي عندما انتعش الاقتصاد العالمي من ركود شديد ونما بوتيرة نسبتها 5٪ وفقا لبيانات الصندوق. وكان الاقتصاد العالمي انكمش بمعدل 0,6٪ عام 2009.
الديون الأوروبية
وعلى الرغم من توقعه استمرار الوضع على حاله في منطقة اليورو أكد الصندوق أن الديون الأوروبية لن تؤثر على النمو العالمي ومحذرا من جهة أخرى الدول الناشئة من مخاطر التضخم. وأوضح الصندوق ان قرار واشنطن تمديد العمل بالتخفيضات الضريبية التي أقرت في 2001 و2003 لمدة عامين ما يضيف نصف نقطة إلى النمو العالمي في 2011. وبالنسبة إلى منطقة اليورو أبقى الصندوق توقعاته للنمو على حالها عند 1,5٪ وكذلك الأمر بالنسبة لمعدل النمو المتوقع في فرنسا 1,6٪ في حين رفع معدل النمو الألماني إلى 2,2٪ مقابل 2٪ سابقا. وبحسب توقعات الصندوق فإن أزمة الديون السيادية التي تعصف بمنطقة اليورو ستؤثر سلبا على دول المنطقة ولكن تداعياتها لن تتعدى هذه المنطقة إلى خارجها. وأوضح الصندوق ان هذه التوقعات تفترض ان تتمكن الإجراءات السياسية الراهنة من احتواء الاعصار المالي وآثاره على الاقتصاد الفعلي داخل حدود منطقة اليورو وألا تكون له إلا تداعيات بسيطة على النهوض العالمي، ولكن بالنسبة إلى الصندوق فإن استمرار معدلات النمو المرتفعة في مناطق اخرى من العالم يعني ان النهوض بسرعتين مختلفتين سيظل السمة المميزة للاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة. وبالنسبة إلى الدول الناشئة والنامية فإن الصندوق ابقى توقعاته لمعدلات النمو فيها على حالها عند 9,6٪ للصين و8,4٪ في الهند و4,5٪ في البرازيل. ونصح الصندوق هذه الدول بضرورة اخذ الإجراءات الكفيلة بمنع اقتصاداتها من الوقوع في فخ التضخم. وقال: في الكثير من الاقتصادات الناشئة لا يزال النشاط قويا وبدأت الضغوط التضخمية بالظهور، وهناك الآن بعض المؤشرات على حدوث تضخم ناجمة في جزء منها عن تدفق رساميل كبرى او في دول اخرى عن سعر للعملة دون قيمته الفعلية.
الأسواق الصاعدة
وفي سياق متصل، قال فيليب ساتل كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي إن الآفاق الاقتصادية للاسواق الصاعدة مواتية، وثمة تنبؤات بأن يسجل إجمالي الناتج المحلي لتلك الأسواق نموا بنسبة 6,3 في المائة في عام 2011. وقال المعهد في تقرير ان تدفقات رأس المال الخاصة للاقتصادات الصاعدة سجلت ارتفاعا خلال العامين الماضيين مدفوعة بعوامل من بينها النمو الايجابي وميل العائدات المتزايدة لصالح الأسواق الصاعدة عن أي أسواق أخرى. كما سجل صافي تدفقات رأس المال الخاصة للأسواق الصاعدة ارتفاعا من نحو 600 مليار دولار في عام 2009 إلى نحو 910 مليارات دولار في عام 2010. ومن المتوقع أن تصل القيمة الاجمالية إلى نحو تريليون دولار هذا العام وتتجاوز هذا الرقم في عام 2012 حسبما أشار التقرير. وأضاف ان النمو القوي للانتاج مقارنة بالاقتصادات الناضجة إضافة إلى تحسين إدراك المخاطر النسبية يتيح فرصاً استثمارية واسعة في الاسواق الصاعدة.
تحسن محلوظ
خلال النصف الثاني من عام 2010، تحسنت الأوضاع المالية العالمية علي وجه العموم، وسط مواطن الضعف التي لاتزال قائمة، فقد ارتفعت مؤشرات أسواق الأسهم، واستمر التقارب في فروق العائد الناجمة عن علاوات المخاطر، وقل التشدد في شروط الإقراض المصرفي السائد في الاقتصادات المتقدمة، حتى بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة. ومع ذلك، ظلت جيوب الهشاشة قائمة، وأسواق العقارات ودخل الأسر ضعيفة في بعض الاقتصادات المتقدمة الكبرى (كالولايات المتحدة على سبيل المثال)، كما ظل نشاط التوريق ضعيفاً. وكأحد تداعيات أحداث مايو الماضي، عاودت الاضطرابات المالية الظهور في بلدان منطقة اليورو الهامشية في الربع الأخير من عام 2010. فقد أدت المخاوف بشأن خسائر القطاع المصرفي واستمرارية أوضاع المالية العامة ـــ والتي نجمت هذه المرة عن الوضع في ايرلندا ــ إلى اتساع متواصل في فروق العائد على سندات هذه البلدان، مما وصل بها في بعض الحالات إلى مستويات مرتفعة غير مسبوقة منذ اطلاق الاتحاد الاقتصادي والنقدي الاوروبي. كذلك ظهرت مجددا ضغوط التمويل، وإن كانت اقل حدة مما سجلته في الصيف الماضي. ومن الاختلافات الاساسية في هذا الصدد أن انتقال الآثار من الاسواق المالية الى البلدان الاخرى كان اضيق نطاقا. فقد أدت اضطرابات منتصف 2010 إلى زيادة حادة في تجنب المخاطر على مستوى العالم وتقليص الانكشاف للمخاطر في المناطق الأخرى، ومنها الأسواق الصاعدة، وأثناء نوبة الاضطرابات التي وقعت مؤخراً، كانت الأسواق أكثر قدرة علي التمييز، فلم تطرأ زيادة في تجنب المخاطر، وحققت أسواق الأسهم مكاسب كبيرة في معظم المناطق، واقتصرت الضغوط المالية في الغالب على بلدان منطقة اليورو الهامشية.
التعافي مهيأ
تفترض توقعات السيناريو الأساسي أن إجراءات السياسة الراهنة تستطيع مواصلة احتواء الاضطرابات المالية وآثارها العينية في بلدان منطقة اليورو الهامشية، مما يحمل مسيرة التعافي العالمي عبئا محدودا وحسب. وتعكس هذه الرؤية الآثار الانتشارية المحدودة الملاحظة حتى الآن في مختلف الاسواق المالية والمناطق، كما تعكس مساهمة سياسات مواجهة الازمة اليونانية في الحد من تأثيرها على التعافي العالمي خلال النصف الثاني من عام 2010. ويفترض السيناريو الاساسي ايضا ان صناع السياسات في الاسواق الصاعدة يبادرون بالتحرك في الوقت المناسب حتى تظل ضغوط النشاط الاقتصادي المحموم تحت السيطرة.
ويتوقع أن يزداد النشاط في الاقتصادات المتقدمة بواقع 2,5٪ في الفترة 2011 ـــ 2012، وهو معدل لايزال بطيئا بالنظر إلى عمق ركود عام 2009 وغير كاف لإحداث تغيير ملموس في معدلات البطالة. ومع ذلك، تمثل توقعات النمو لعام 2011 تعديلا بالزيادة قدره ربع نقطة مئوية مقارنة بما ورد في عدد أكتوبر 2010 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، فيما يرجع بصفة أساسية إلى مجموعة التدابير المالية الجديدة التي أجيزت في أواخر عام 2010 في الولايات المتحدة والتي يتوقع ان تدعم النمو الاقتصادي هذا العام مقدار 0,5٪. ومن المتوقع أن تؤدي مجموعة التدابير المشابهة التي أجيزت في اليابان إلى الحفاظ على مستوى معتدل من التعافي الاقتصادي في عام 2011. وبالرغم من انخفاض توقعات النمو هذا العام في بلدان منطقة اليورو الهامشية، فقد حدث تعديل مقابل بالزيادة في توقعات النمو السابقة لألمانيا، نظراً لازدياد قوة الطلب المحلي.
وفي كل من عامي 2011 و2012 يتوقع ان يحتفظ النمو بقوته في الاقتصادات الصاعدة والنامية مسجلاً 6,5٪ وهو ما يمثل تباطؤا طفيفا اذا ما قورن بمعدل النمو الذي بلغ 7,25٪ في العام الماضي، ويكاد يعادل التوقعات الواردة في عدد أكتوبر 2010 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، وتواصل بلدان آسيا النامية نموها الأسرع على وجه الإطلاق مقارنة بالبلدان الأخرى، ولكن هناك مناطق صاعدة أخرى يتوقع أن تستمر في ارتدادها الإيجابي القوي.
