رغم بوادر انفصام الارتباط على المدى القصير ـــ بين أوضاع بلدان أوروبا الهامشية وأوروبا المركزية، وبين الضغوط المالية والاقتصاد العيني، وبين أوضاع الاقتصادات المتقدمة والصاعدة ــ فلا يزال الاقتصاد العالمي يتميز بروابطه البينية الوثيقة. ويلزم اتخاذ طائفة من التدابير في مختلف البلدان للحد من مواطن الضغط وإعادة توازن النمو لتقوية النمو العالمي والحفاظ عليه في السنوات القادمة. ففي الاقتصادات المتقدمة، تتمثل الحاجات الأكثر إلحاحا في تخفيف الضغوط المالية في منطقة اليورو واعطاء دفعة لعمليات معالجة الخلل والإصلاح اللازمة في النظام المالي وكذلك لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط. ومن شأن السياسات المعززة للنمو أن تساعد في معالجة البطالة المرتفعة المزمنة، وهي من التحديات الأساسية امام هذه البلدان. ومن شأنها أيضا أن تنقل آثاراً ايجابية مفيدة إلى الاقتصادات الصاعدة، حيث يتمثل التحدي الأكبر على مستوى السياسات في اتخاذ إجراءات ملائمة لمواجهة تدفقات رؤوس الأموال الداخلة، ومواصلة التحكم في ضغوط النشاط الاقتصادي المحموم، وتيسير إعادة التوازن الخارجي.

وفي منطقة اليورو، يتعين اتخاذ إجراءات من خلال السياسات لمعالجة مخاطر التطورات دون المتوقعة. وقد اتخذت خطوات مهمة منذ شهر مايو الماضي على كل من المستوى القومي ومستوى منطقة اليورو، بما في ذلك تدابير تعزيز أرصدة المالية العامة وإجراء اصلاحات هيكلية، وزيادة دعم السيولة الاستثنائي واستحداث «برنامج اسواق الأوراق المالية» من جانب البنك المركزي الأوروبي (ECB) وإنشاء «التسهيل الأوروبي للاستقرار المالي» (EFSF) بصفة مؤقتة على أن تخلفه «آلية الاستقرار الأوروبية» (SM) بعد عام ‬2013. لكن مزيدا من التقدم في تعزيز إجراءات السياسات القومية بغية تأمين الاستمرارية العامة وإنعاش النمو لايزال مطلبا أساسيا في كثير من البلدان. فلا تزال الأسواق تشعر بالقلق تجاه الخسائر المحتملة في بنوك المنطقة ولم تفلح اختبارات تحمل الضغوط التي أجريت حتى الآن في تهدئة قلقها. وسوف يزداد الوضوح في هذا الصدد مع إجراء اختبارات جديدة من هذا النوع على أساس أكثر واقعية ودقة وحسما، على أن تأتي إعادة الرسملة في أعقابها مباشرة. وكذلك ينبغي طمأنة الأسواق من حيث كفاية الموارد المتاحة من المركز لمعالجة مخاطر التطورات دون المتوقعة واتساق منهج السياسات بشكل كلي. ومن هنا يجب أن يكون التسهيل الأوروبي للاستقرار المالي وكذلك آلية الاستقرار الأوروبية الدائمة المتوخاة قادرين على تعبئة الموارد الكافية وتوزيعها بمرونة حسب الحاجة. وفي نفس الوقت، ينبغي أن يواصل البنك المركزي الأوروبي توفير السيولة وان يحافظ على سياسته النشطة في شراء الأوراق المالية للمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي.

وبشكل أعم في الاقتصادات المتقدمة، ينبغي مواصلة التقدم في اصلاح النظم المالية ومعالجة الخلل الذي يعتريها، وهو ما يشكل عنصراً حيوياً في عودة أوضاع الائتمان الطبيعية ويساعد في تخفيف العبء الذي تتحمله السياسة النقدية وسياسة المالية العامة لمساندة التعافي الاقتصادي. ويعرض عدد يناير ‬2011 من تقرير الاستقرار المالي العالمي بشأن مستجدات الأسواق المالية مناقشة أكثر تفصيلا للسياسات اللازمة في القطاع المالي.

ويؤكد تعرض الكيانات السيادية للمخاطر مدى الاحتياج العاجل لتحريك المالية العامة نحو مسارات أكثر قابلية للاستمرار ــ ليس فقط من جانب البلدان الهامشية في منطقة اليورو، وإنما أيضاً الاقتصادات المتقدمة الكبرى، وعلى المدى القريب، توجد بوادر مبكرة لانتقال الطلب من القطاع العام إلى القطاع الخاص في كثير من الاقتصادات المتقدمة الكبرى، مما يشير إلى امكانية مضي البلدان قدما في وضع وتنفيذ خطط موثوقة لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط. وبالرغم من وجود ما يبرر بعض التدابير الموجهة في الولايات المتحدة حاليا، بالنظر إلى أسواق العمل والمساكن التي لاتزال ضعيفة، فمن المتوقع ان تؤدي الدفعة التنشيطية الاخيرة إلى تحقيق نفع محدود نسبياً على جانب النمو (نظرا لحجمها المحدود) بتكلفة كبيرة على المالية العامة. ومن المتوقع حاليا ان يبلغ عجز المالية العامة الأميركية ‬10,75٪ في عام ‬2011 (أكثر من ضعف العجز في منطقة اليورو)، كما يتوقع أن يتجاوز إجمالي المديونية الحكومية ‬110٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام ‬2016.