أعلن بنك «كريدي سويس» أمس عن نشر الإصدار التدشيني من دراسته الدورية الجديدة لتوجهات المستهلكين في دول الأسواق الصاعدة، مثل البرازيل وروسيا والهند والصين (مجموعة بريك)، إضافة إلى مصر وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية. ويبلغ عدد المستهلكين في هذه الدول ‬3 مليارات مستهلك من مجموع سكان العالم، ويناهز إجمالي ناتجها المحلي ‬10 تريليونات دولار.

وكشفت الدراسة عن أن السعوديين يدخرون ‬21٪ من دخولهم، وأن البرازيليين من أكثر المستهلكين تفاؤلا، بينما رصدت الدورية تحولات الصينيين من الادخار بكثافة إلى الإنفاق، وانفراد المستهلكين في مصر بتسجيل توقعات سلبية.

وكشفت الدراسة النقاب عن تمتع المستهلكين في دول الأسواق الصاعدة بثقة نسبية حول آفاق العام الجديد، حيث توقع ‬38٪ من المشاركين في الدراسة تحسن أحوالهم المالية الشخصية خلال الشهور الستة المقبلة، بينما توقع ‬9٪ منهم تآكل دخولهم بعض الشيء. ويتضح من الدراسة أن نسبة ثقة المستهلكين كانت الأعلى في البرازيل والصين.

وأفادت الدراسة باستمرار التحول إلى الإنفاق الاستنسابي، حيث ارتفع الطلب على السلع الأساسية (مثل استهلاك المواد البروتينية أو أجهزة الهاتف المحمول) بسرعة، في أوساط مستهلكين يتمتعون بمستويات دخل متدنية جداً، إلا أن استهلاك السلع والخدمات الأساسية في أوساط المستهلكين الذين يتجاوز متوسط دخلهم العائلي الشهري حاجز الألف دولار (معدلاً وفق مكافئ القوة الشرائية) يجنح إلى احتلال المرتبة الثانية لمصلحة السلع الاختيارية.

وفي هذا السياق، أشارت نتائج الدراسة إلى أن الجانب الأكبر من الإنفاق المخطط له على شراء السلع الاختيارية، يحدث في أسواق غنية نسبياً (مثل السوق السعودية)، في حين يشكل الإنفاق على السلع والخدمات الأساسية الجانب الأكبر من إجمالي حجم الإنفاق في الأسواق الأفقر (مثل الأسواق الهندية والإندونيسية والمصرية).

 

عدم تكافؤ الدخول

وفي الوقت الذي يشكل فيه «مسار الدخل» العامل الأساسي في تحديد أولويات إنفاق المستهلكين، يشكل توزيع الدخل أحد الجوانب الرئيسية. وقد تبيّن أن دخل نسبة مرتفعة من العائلات في جميع الدول موضوع الدراسة يقل عن الألف دولار شهرياً (معدلاً وفق مكافئ القوة الشرائية). وفي نفس الوقت، تهيمن الصين والهند بسبب ضخامة عدد سكانهما، على حجم الإنفاق عموماً في تلك الدول عند مختلف مستويات الدخل. وعلى سبيل المثال، نجد أن عدد العائلات الهندية التي يتجاوز دخلها الشهري ‬2,000 دولار يشكل أكثر من ضعف عدد العائلات التي تكسب دخلاً مماثلاً في روسيا، رغم أن حصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي في الهند تقل بنسبة ‬80٪ عن نظيرتها في روسيا.

وتوقعت دراسة «كريدي سويس» اتساع فجوة عدم تكافؤ الدخل في دول الأسواق الصاعدة، قائلة: سوف يفوق نمو الإنفاق الاستنسابي نمو سائر أنماط إنفاق المستهلكين في جميع دول الأسواق الصاعدة. إلا أن الطلب على السلع والخدمات الضرورية في الدول التي يشهد فيها المستهلكون أعلى معدلات النمو النسبي في دولهم، وتحديداً في إندونيسيا والصين والبرازيل، سوف يكون أعلى مما هو عليه في سائر دول الأسواق الصاعدة.

 

نمو الدخل الحقيقي

ومن المتوقع أن تتسع فجوة عدم تكافؤ الدخول الكبيرة بالفعل حالياً، بالتزامن مع توقع استمرار النمو الكبير في دخول ذوي الدخل المرتفع، بمعدلات تفوق معدلات نمو دخول ذوي الدخل المنخفض، وبفارق كبير. ونستخلص هنا نتيجتين رئيسيتين هما: (أ) تبدو معدلات النمو المطلق خلال العام المقبل، مرشحة لتصدر الإنفاق في شريحة الإنفاق الاستنسابي. و(ب) يبدو الإنفاق على السلع والخدمات الضرورية مرشحاً للنمو بمعدلات أعلى نسبياً في إندونيسيا والصين والبرازيل، التي تشهد نمواً إيجابياً في الدخل الحقيقي للمستهلكين من ذوي الدخول المنخفضة.

وأشارت الدراسة إلى وجود نمط واضح ومستمر في استهلاك السلع التي تحمل علامات تجارية مرموقة، بالتزامن مع تحسن مستويات الدخول. وكشفت الدراسة عن أن السلع التي تحمل علامات تجارية عالمية مرموقة تهيمن على الطلب في شريحة الإنفاق الاستنسابي (مثل السيارات والعطور والأزياء)، إلا أن تفضيل السلع التي تحمل علامات تجارية عالمية مرموقة ليس قوياً بغض النظر عن حجم الدخل، في شريحة السلع والخدمات الأساسية (مثل المياه المعبأة ومنتجات الألبان). لذلك يمكننا القول إن آفاق نمو الطلب على السلع الوطنية لا تقل عن آفاق نمو الطلب على السلع التي تحمل علامات تجارية عالمية مرموقة في شريحة السلع والخدمات الأساسية. ويبدو أن آفاق نمو الطلب على السلع التي تحمل علامات تجارية عالمية مرموقة في شريحة الإنفاق الاستنسابي.

 

الائتمان والمدّخرات والاستثمارات

وذكرت الدراسة أن معدلات الاستهلاك تؤثر في أنماط الادخار. وتشير خلاصات الدراسة إلى وجود اختلاف هيكلي كبير في ثقافات الادخار السائدة في الأسواق موضوع الدراسة. وتتمتع الصين والهند بثقافات ادخار راسخة، بينما تفضل العائلات البرازيلية مثلاً الإنفاق على الادخار. غير أن آفاق نمو الادخار في الأسواق المعنية تبدو قوية رغم كل شيء، كما تنتشر المشتريات العقارية الممولة بالرهون على نطاق واسع (خاصة في إندونيسيا والصين والبرازيل)، إضافة إلى خطط شراء سيارات بالتمويل (ظاهرة مهمة في السعودية والبرازيل).

 

البرازيل: الاستمتاع بالحياة

وقالت الدراسة: يمكن تصنيف المستهلكين البرازيليين في فئة الأكثر تفاؤلاً، حيث توقع ‬63٪ من المشاركين منهم في الدراسة تحسن أحوالهم المالية الشخصية خلال الشهور الستة المقبلة.

ويبدو أن الدخل الحقيقي في البرازيل مقبل على الارتفاع على مستوى جميع الشرائح خلال الشهور الـ‬12 المقبلة. وتتراوح معدلات نمو الدخل الحقيقي المتوقعة بين ‬5٪ لذوي أدنى الدخول و‬12٪ لذوي أعلى الدخول. وتوحي هذه التوقعات المتفائلة بوجود توجه قوي نحو الإنفاق الاستنسابي. وتبدو خطط المستهلكين البرازيليين لشراء السيارات على سبيل المثال، إضافة إلى الاقتراض لشرائها، الأقوى بين المستهلكين في جميع الأسواق التي شملتها الدراسة. وعلى هذه الخلفية، يبدو الإجراء الذي اتخذه المصرف المركزي البرازيلي بتشديد القيود على قروض تمويل شراء السيارات، متعقّلاً جداً.

ويتجلّى التركيز على الإنفاق الاستنسابي في البرازيل من خلال الانخفاض النسبي في معدلات ادخار البرازيليين. ولا تشكل تلك المدخرات سوى ‬10٪ فقط من دخول البرازيليين مقارنة مع ‬31٪ في الصين. ومن الواضح أن هذه التوجهات تعتبر ميراثاً من حقبات التضخم المنفلت التي شهدتها البرازيلي في العقدين السابقين. ويدخل التركيز الكبير على تملُّك الأصول مثل العقارات الممولة بالقروض، في هذا السياق، حيث يحتل شراء العقارات المرتبة الثانية في أولويات إنفاق البرازيليين.

إلا أن الإنفاق على خدمات الرعاية الصحية يحتل مرتبة أعلى في أولويات إنفاق المستهلكين البرازيليين، حيث يصل إلى معدل ‬9,8٪ من الدخل، أي قرابة ضعف المعدل السائد في الصين والبالغ ‬5,7٪.

 

الصين: تحوّل إلى الإنفاق

تبدو نظرة المستهلك الصيني نظرة متفائلة. وتعزز ثقة التوقعات بنمو الدخل من نوايا شراء إيجابية للغاية. ومن المتوقع أن يستمر نمو الدخل الحقيقي الإيجابي والقوي الذي شهدته الشهور الـ‬12 الماضية وأن تتسارع وتيرته خلال السنة المقبلة. ومع ذلك، يميل نمو الدخل الحقيقي نحو شريحة ذوي الدخل العالي، مع إبداء شريحة ذوي الملاءة المالية العالمية في الصين تفاؤلاً أكبر من أي شريحة أخرى شملتها الدراسة.

وتبدو نوايا الإنفاق بجميع أشكاله إيجابية نسبياً في الصين، بدءاً من السلع الأساسية ووصولاً إلى الاختيارية. ويبرز الطلب على أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية ضمن أقوى أشكال الإنفاق في هذه الدراسة. ولا يزال تملك السيارات منخفضاً جداً، إلا أن نوايا شرائها مرتفعة. وقد أبدى ‬30٪ من ذوي الدخل المرتفع عزمهم شراء سيارات، ومن الفئات الممتازة بالتحديد.

وعلى الرغم من نمو الاستهلاك، لا تزال الرغبة في الادخار قوية. وتشير الدراسة إلى أن أكثر من ‬30٪ من الدخل في الصين يتم ادخاره، ويرتفع الميل إلى الادخار كلما ارتفع الدخل. ويتضح هذا التركيز على الادخار من خلال امتلاك أكثر من ‬80٪ من أفراد العينة لحسابات مصرفية، وهي سمة واضحة لدى كل من ذوي الدخل المنخفض والمرتفع على حد سواء.