أدى الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء عالميا إلى تذمر المستهلكين، ووضع الحكومات في موقف حرج مع شعوبها، وخصوصا في الدول العربية والبلدان النامية، وهو الأمر الذي ظهرت تداعياته في الجزائر وتونس، وبدأت عدة دول عربية تتخذ إجراءات للحيلولة دون استفحال الأمر، من خلال وضع الخطط واتخاذ الإجراءات التي تستهدف التخفيف من حدة تأثيرات ارتفاع الأسعار. وسط تحذيرات عالمية من موجة غلاء أكبر في ‬2011.

واحتل الارتفاع القياسي في أسعار الاغذية قمة جدول أعمال صانعي السياسة بفعل المخاوف من أن يؤدي ذلك الى انفلات التضخم واتخاذ اجراءات حمائية واندلاع قلاقل واضطرابات وتراجع طلب المستهلكين في اقتصادات ناشئة رئيسية.

وأثر تضخم أسعار الغذاء على العديد من بلدان آسيا بما فيها الهند والصين اللتان وصل معدل تضخم أسعار الغذاء فيهما إلى أرقام في خانة العشرات، وجراء ذلك فرضت الصين مؤخرا ضوابط للأسعار لكي تضمن استقرار الأسعار بالنسبة للمستهلكين.

وقالت منظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة (الفاو) ان أسعار الغذاء سجلت ارتفاعات قياسية الشهر الماضي متجاوزة مستويات ‬2008 حينما أثارت احتجاجات في دول في مناطق مختلفة من العالم مثل مصر والكاميرون وهايتي.

وحذرت المنظمة الأممية من أن أسعار الحبوب ستسجل مزيداً من الارتفاع خلال العام الجاري جراء سوء الأحوال الجوية في العديد من دول العالم.

وجاء التحذير بعدما سجل مؤشر أسعار الأغذية مستوى قياسيا في ديسمبر الماضي، وذلك بارتفاعه للشهر السادس على التوالي.

وبذلك يكون المؤشر قد سجل أعلى مستوى له منذ بدء التسجيل عام ‬1990، متجاوزا المستوى المرتفع الذي سجله في يونيو ‬2008 خلال أزمة الغذاء العالمية.

ويقيس مؤشر الفاو لأسعار الغذاء التغيرات الشهرية في أسعار سلة من المواد الغذائية تضم الحبوب والبذور الزيتية ومنتجات الألبان واللحم والسكر.

خطط أردنية

وتستعد الحكومة الاردنية لاتخاذ اجراءات عاجلة من اجل خفض الاسعار، تماشيا مع توجيهات العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، حسبما صرح لوكالة فرانس برس مسؤول اردني رفيع أمس.

وقال المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن اسمه ان الملك وجه أمس الأول رئيس الوزراء (سمير الرفاعي) الى اتخاذ خطوات فورية وفاعلة للتخفيف من آثار ارتفاع اسعار السلع الاساسية لتمكين المواطنين من تلبية احتياجاتهم الاساسية.

معدل التضخم

وبحسب الارقام الرسمية، فقد بلغ معدل التضخم في الاردن الشهر الماضي مستوى قياسيا جديدا بارتفاعه الى ‬6,1٪.

قالت دائرة الإحصاءات العامة في الأردن ان معدل التضخم بلغ عام ‬2010 ما نسبته ‬5٪ مقابل معدل تضخم سلبي نسبته ‬0,67 ٪ لعام ‬2009 .

وقالت الدائرة في تقريرها السنوي حول التضخم ان من أبرز المجموعات السلعية التي ساهمت في هذا الارتفاع مجموعة النقل بنسبة ‬12,7 ٪ والإيجارات بنسبة ‬3,8 ٪، واللحوم والدواجن بنسبة ‬6٪ ومجموعة الخضراوات بنسبة ‬12,9 ٪ والتبغ والسجائر ‬12,1٪ والتعليم ‬6٪.

ويرى المراقبون ان قيام الدولة باتخاذ هذه التدابير يأتي بعد تزايد السخط الشعبي والاحتجاجات ضد غلاء المعيشة، فضلا عن العنف في المحافظات بسبب تدني فرص العمل.

وكان النقابي العمالي الزراعي محمد السنيد دعا الى تنظيم احتجاجات في جميع انحاء المملكة بعد صلاة الجمعة المقبل.

وبالموازاة دعا العاهل الاردني ايضا في البيان الحكومة الى البدء بتنفيذ مشاريع انتاجية وخدمية توفر فرص العمل وتعالج نقص الخدمات في جميع المناطق الاقل حظا، والمحتاجة لها في محافظات المملكة كافة. ولم يحدد البيان ماهية هذه التدابير او المشاريع.

وتظهر استطلاعات الرأي ان ارتفاع الاسعار يعد المشكلة الاولى التي تواجه الاردنيين في بلد لا يتجاوز فيه الحد الادنى للاجور ‬155 دولارا شهريا.

وتقدر نسبة البطالة في المملكة التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة ملايين نسمة وفقا للارقام الرسمية، ب‬14,3٪، بينما تقدرها مصادر مستقلة ب‬25٪.

ليبيا تلغي الرسوم

وقررت ليبيا الغاء كافة الرسوم المفروضة على المواد الغذائية، على ما اعلن مصدر حكومي لوكالة فرانس برس.

وقال المصدر ان الحكومة الليبية قررت الغاء كافة الرسوم الجمركية وكل رسوم اخرى على المواد الغذائية خصوصا الاساسية منها، وكذلك على حليب الاطفال.

وبرر المصدر القرار بالارتفاع الكبير في اسعار المواد الغذائية في العالم مقللا من اهمية الدخل الذي توفره الرسوم الجمركية على المواد الغذائية لليبيا.

واشار المصدر ذاته الى ان ليبيا انفقت ‬6 مليارات دولار في ‬2010 تحت بند دعم المواد الغذائية الاساسية علاوة على المحروقات والادوية.

وقالت الحكومة الجزائرية يوم السبت انها ستخفض تكلفة بعض المواد الغذائية الاساسية في محاولة لوضع حد لاعمال شغب مستمرة منذ أربعة أيام بسبب ارتفاع الاسعار أسفرت عن مقتل شخصين واصابة بضع مئات

الوضع في مصر

وقد تضر أسعار الغذاء القياسية المرتفعة بمصر -المستورد الرئيسي للغذاء التي تعتمد على الواردات لتوفير ‬50 بالمئة على الاقل من الاستهلاك المحلي- في ظل توقعات بارتفاع أسعار الغذاء بسبب تقلب الاحوال الجوية العالمية.

وبلغ معدل التضخم على اساس سنوي ‬10,3٪ بنهاية ديسمبر الماضي.

وكان معدل التضخم السنوي سجل ‬10,2٪ في نوفمبر الماضي.

وعزا الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في بيان ارتفاع معدل التضخم إلى زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات، في مقدمتها مجموعة الطعام والشراب التي ارتفعت إلى ‬16٪ في إجمالي محافظات مصر.

وقال إن الزيادة في أسعار اللحوم والدواجن بلغت نحو ‬28,7٪، والحبوب والخبز ‬21,5٪ ، والسكر والأغذية السكرية ‬16,3٪، والخضر ‬11٪، والألبان والجبن والبيض ‬8,8٪ والفاكهة ‬4,9٪.

ولفت الجهاز إلى أن زيادات الأسعار شملت أيضاً أقسام التعليم، والدخان، والمطاعم، والفنادق.

ضغوط تضخمية آسيوية

وفي آسيا أشارت بيانات رسمية وتقديرات محللين الى ضغوط تضخمية. وارتفعت أسعار الفلفل الحار خمسة أمثالها في تايلاند في العام الماضي ودعا رئيس اندونيسيا مواطنيه لزراعة الاغذية في حدائقهم الخاصة.

وقال الرئيس سوسيلو بامبانج يودويونو في اجتماع لمجلس الوزراء انه ينبغي للمواطنين المبادرة بزراعة النباتات وأمسكت وزيرة التجارة ماري بانغستو بزمام المبادرة بزراعة الفلفل الحار في منزلها.

وقالت بانغستو: لدي ‬200 نبتة من الفلفل الحار في أصص الزهور.

وأضافت تقوم وزارة الزارعة بتوعية المزارعين بكيفية زراعة الفلفل الحار وتشجع أيضا المستهلكين على زراعته في حدائق منازلهم.

وأثار ارتفاع أسعار الاغذية غالبا احتجاجات في المناطق المدنية في الدول الفقيرة حيث تشكل الاغذية المستوردة الجزء الاكبر من مشتريات الاسر.

قفزة أسعار في الهند

وارتفع معدل تضخم أسعار الغذاء في الهند الى أعلى مستوى له في عام بما يزيد على ‬18 في المئة في العام المنتهي في ديسمبر. ويتوقع محللون أن يؤدي ذلك مع زيادة أسعار الوقود الى قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة هذا الشهر.

واتخذت الحكومة الهندية سلسلة من الاجراءات منذ أعوام لتحقيق استقرار أسعار الغذاء لكنها قامت منذ العام الماضي بدعم بيع المخزونات الوطنية من الحبوب وتعهدت باستمرار اعفاء واردات الزيوت الخام النباتية من الرسوم الجمركية.

أوضاع الأرز

غير أن الاسعار القياسية للارز في اسيا تشير الى اتجاه مختلف. فالغذاء الرئيسي في المنطقة يبلغ سعره ‬535 دولارا للطن اي نحو نصف سعره في عام ‬2008 البالغ أكثر من ألف دولار للطن والذي دفع العديد من الحكومات في ذلك الوقت الى فرض حظر على الصادرات لحماية السوق المحلية.

لكن يتوقع معظم الخبراء استمرار الضغوط التي تدفع الاسعار نحو الصعود وبصفة خاصة اذا اتجهت الدول نحو فرض حظر على الصادرات ومزيد من تقييد الامدادات وبدأ المستثمرون على الامد القصير مجددا شراء السلع الاولية الزراعية مثلما حدث في ‬2008.

وطمأنت تايلند -وهي أكبر مصدر للأرز في العالم- بأنها ستزيد حجم صادراتها من الأرز خلال العام الجاري لتبلغ ‬9,5 ملايين طن بدلا من تسعة ملايين صدرتها العام المنصرم.

من جانبها قالت الفلبين -وهي أكبر مشتر للأرز في العالم- إنها ستقلص وارداتها العام الجاري بمقدار النصف على الأقل بعد مشتريات قياسية في ‬2010.

وقال مسؤول في بنغلادش إن بلاده قلقة بشأن الأمن الغذائي، وإنها استوردت ‬250 ألف طن أرزاً من فيتنام لتعزيز المخزونات.

وفي أفريقيا أعلنت إثيوبيا عن إجراءات لضبط أسعار الغذاء، حيث أعلن رئيس الوزراء ملس زيناوي أنه سيتم تحديد سقف لأسعار العديد من السلع.

القمح والحبوب

وفي العام الماضي زادت أسعار العقود الاجلة للقمح ‬47 بالمئة متأثرة بسلسلة من الاحداث المناخية منها جفاف في روسيا والدول المجاورة المطلة على البحر الاسود. وارتفع سعر الذرة الامريكية أكثر من ‬50 بالمئة وفول الصويا الامريكي نحو ‬34 بالمئة.

وبالاضافة الى الاحوال المناخية السيئة في استراليا وأوروبا وأمريكا الشمالية والارجنتين فان ارتفاع الطلب الاسيوي أذكى صعود الاسعار. فالصين على سبيل المثال من المتوقع أن تشتري ‬60 في المئة من فول الصويا المتداول عالميا في ‬2011-‬2012 وهو ما يعادل مثلي مشترياتها منذ أربع سنوات.

وأضر المناخ الجاف والحار بمحاصيل فول الصويا والقمح في الارجنتين وهي من الدول المصدرة الكبرى الامر الذي أذكى زيادة اسعار العقود الاجلة الامريكية للحبوب في الاسابيع الاخيرة بفعل المخاوف من نقص امدادات المعروض. وبعد بداية مضطربة بدأت الاحوال المناخية تتحسن في البرازيل المجارة ثاني أكبر مورد لفول الصويا في العالم.

غير أن اسعار الفائدة المرتفعة لا تحقق نتائج تذكر في تخفيف الضغوط على أسعار الغذاء. فالطلب على الغذاء غير مرن لان الناس لا بد أن تأكل لكن ضغوط الاسعار الراهنة يقودها العرض بدرجة كبيرة لذلك فان تشديد السياسة النقدية لن يساعد بشكل مباشر في تحسين الوضع. لكن الخطر يكمن في أن يمتد ارتفاع أسعار المواد الغذائية الى قطاعات أوسع من الاقتصاد.

إجراءات نقدية

وقال فردريك نيومان الاقتصادي في اتش.اس.بي.سي في هونج كونج أعتقد ان هناك حاجة ملحة لاتخاذ المزيد من الاجراءات الوقائية المتمثلة في تشديد السياسة النقدية لمنع بعض هذه الضغوط التضخمية من التفاقم.

وأضاف إن بعض البنوك المركزية اتخذت اجراءات لتشديد السياسة النقدية لكن يتعين عمل المزيد. فيمكن أن تتيح كوريا الجنوبية ودول اسيوية أخرى تدير فائضا في التجارة وفي المعاملات الجارية مجالا أكبر نحو رفع قيمة عملاتها لموازنة ارتفاع نفقات الواردات الغذائية.

لكن رفع أسعار الفائدة أو احتمال ارتفاع قيمة العملة لن يشجع الا على مزيد من التدفقات من مستثمرين يقاومون النمو الضعيف في اقتصادات متقدمة كما يمكن أن يؤدي رفع قيمة العملة الى الاضرار بالصادرات العماد الرئيسي للعديد من الاقتصادات

مجموعة العشرين

وكشف مسؤول في مجموعة العشرين أن المجموعة بصدد بحث خطوات عملية لمعالجة الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء الذي يشهده العالم.

وقال مصدر مطلع ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طلب من البنك الدولي اجراء دراسة عاجلة على تأثير ارتفاع أسعار الغذاء قبل اجتماعات قمة العشرين في أواخر هذا العام.

وأكد ري تشانغ يونغ المسؤول الكوري الجنوبي عن شؤون المجموعة أن المحادثات تجري لتطوير التعاون الدولي لحل مشكلات الأمن الغذائي قبل عقد قمة العشرين في باريس في وقت لاحق من العام الجاري.

وأوضح أن دول العشرين ستبحث مقترحات تشمل سبل تحسين الشفافية في تداول الأدوات المشتقة المرتبطة بالغذاء والطاقة.

وأضاف أنه سيتم بحث مسألة استخدام الغذاء كوقود حيوي ودوره في أزمة أسعار الطعام، إضافة إلى أساليب التعاون بشأن القيود التجارية التي فرضتها بعض الدول.