قال خبراء إن الأزمة المالية التي بدأت في اليونان ثم ايرلندا أثارت فوضى في الاسواق المالية الاوروبية وهددت بالمساس بمصداقية واستقرار اثمن مشروع للاتحاد الاوروبي الا وهو اليورو . وفي نظر أولئك المحللين قد يكون عام ‬2010 اكثر الاعوام اضطرابا بالنسبة لاوروبا منذ انتهاء الحرب الباردة قبل عقدين بعد ضربته ازمة الديون السيادية التي هددت بالتحول الى عدوى تمزق الاتحاد الاوروبي. وعلى الرغم من ان اليونان وايرلندا حصلتا على التوالي على حزم انقاذ من الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولى، الا ان الدول التي تتخوف من انتقال عدوى ازمة الديون الى دول اخرى بمزيد من اعباء الديون الثقيلة لم تبصر النور في نهاية النفق بعد.

 

أزمة ثقة

وربما البعض يسميها ازمة ثقة لكن الدراما المستمرة منذ عام تضرب جذورها في ‬3 اختلالات في اطار نمط التنمية الاوروبي. ويكمن اول اختلال في التكامل بين النظام النقدي للاتحاد الاوروبي وسياساته الاقتصادية والمالية. ففي الوقت الذي سهلت فيه العملة الموحدة من نمو سوق التجارة والخدمات المتكاملة في اوروبا بدرجة عالية ظلت سياسات البحث والتطوير وسوق العمل فى المنطقة جامدة وغير فعالة. وادى الافتقار الى الفعالية والسياسات المالية الموحدة والرقابة المالية في نهاية الامر الى عجز ثقيل في الميزانية والديون السيادية في بعض دول منطقة اليورو. اما الخلل الثاني فيكمن في تخلف عملية التكامل السياسي للقارة كثيرا عن عملية التكامل الاقتصادي حيث دخلت معاهدة لشبونة التاريخية حيز التنفيذ في ديسمبر عام ‬2009 اي بعد عقد واحد من ولادة اليورو. وأدى هذا الاختلال الى تقويض امكانات الحوكمة الاقتصادية فى المنطقة ، وشجع الدول الاوروبية على تفضيل تدابير وطنية بدلا من التدابير الاوروبية في بعض القضايا المصيرية ولاسيما عندما مرت الكتلة باوقات صعبة. وظهر الخلل الثالث بين نموذج الدولة المرفهة الذي انتهجته دول غرب اوروبا في اعقاب الحرب العالمية الثانية والاتجاه المتزايد نحو نموذج النمو المستدام الذي يدعو الى حساب دقيق بين الكفاءة والمساواة وقوة السوق والمنافع الاجتماعية وبين الاعتبارات المؤقتة والمصالح على الامد الطويل.

معالجة الاختلالات

لمعالجة هذه الاختلالات والتغلب على ازمة الديون اتخذ الاتحاد الاوروبي سلسلة من الاجراءات في العام الماضي لاقامة آلية انقاذ في الدول المتأثرة بالازمة وتعزيز الحوكمة الاقتصادية. ولم تدخر الدول التي تعاني من ازمة الديون جهودها للحد من الانفاق العام وزيادة الضرائب لخفض العجز المالي لديها واستعادة ثقة المستثمرين. وفي الوقت نفسه اصر البنك المركزي الاوروبي على شراء سندات وطنية من حكومات بمنطقة اليورو لتوفير السيولة اللازمة لمؤسساتها المالية كما عزز الاتحاد من الحوكمة الاقتصادية من خلال تدعيم الانضباط المالي وإدخال نظام جديد للاشراف على الاقتصاد الكلي وتعزيز تنسيق السياسات المالية والمضي قدما نحو آلية انقاذ دائمة.

وفي اكتوبر الماضي وافق قادة دول الاتحاد الاوروبي على حزمة اصلاح شاملة لتجنب حدوث ازمات الديون مرة اخرى. وفي قمة الاتحاد الاوروبي الاخيرة التي عقدت فى ديسمبر الماضي ذهب القادة الاوروبيون الى ابعد من ذلك واجروا تعديلات محددة على معاهدة لشبونه الامر الذي مهد الطريق لاقامة آلية دائمة لحل الازمات التي تتفجر مستقبلا. واعتمد الاتحاد الاوروبي خطة للتنمية الاقتصادية لمدة عشر سنوات في يونيو الماضي تركزت على تنمية ذكية وخضراء ومستدامة لتعزيز الانتعاش الاقتصادي من خلال اعادة الهيكلة الصناعية وتغيير نمط التنمية.

نقاط مضيئة

وبرزت وسط تلك المشكلات بعض النقاط المضيئة وقال شيونغ هو الخبير في مجال الاقتصاد الاوروبي باكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية التي تتخذ من بكين مقرا لها انه على الرغم من مشكلات الديون الا ان اورويا حققت انتعاشا اسرع من المتوقع فى عام ‬2010 بفضل اداء قوي فى النصف الاول من العام الماضي. واضاف شيونغ ان هناك عاملين رئيسيين دعما الانتعاش الاقتصادي الاوروبي في النصف الاول من عام ‬2010 هما بالتحديد الطلب الخارجى القوي على صادرات الاتحاد الاوروبي من قبل الدول النامية مثل الصين والآثار الايجابية التي نتجت عن التدابير التحفيزية السابقة التي اتخذتها دول الاتحاد الاوروبي في مواجهة الركود الذي نجم عن الازمة المالية فى عام ‬2008. لكنه اشار الى ان الانتعاش بدأ يفقد قوته في النصف الثاني من العام الماضي نتيجة لتدهور ازمة الديون وتراجع الطلب الخارجي وفي الوقت نفسه ارتفع معدل البطالة في منطقة اليورو في اكتوبر الماضي إلى ‬10,1 في المئة وهو اعلى معدل تسجله المنطقة على مدار عشر سنوات. وتوقعت المفوضية الاوروبية في نوفمبر الماضي ان ينخفض معدل النمو من ‬1,8 في المئة في العام الماضي إلى ‬1,7 في المئة في عام ‬2011 في دول الاتحاد الاوروبي. لكنها توقعت ارتفاع معدل النمو الى ‬2 في المئة في عام ‬2012 مدعوما بانتعاش في الطلب المحلي في اوروبا.