شهد الاقتصاد العالمي طفرة واضحة قبل نحو عامين لكنها سرعان ما انتهت وطلت على العالم أزمة اقتصادية خانقة والآن تواجه الاقتصادات الغربية المتعثرة تداعيات الأزمة دون أن يظهر في الأفق مايشي بنهاية قريبة لها.
والآن تبدو الدول الأوروبية جميعها وقد لجأت إلى دواء واحد ألا وهو برامج التقشف. فهذه الدول تحاول خفض الإنفاق العالم، لارضاء المانحين الدوليين أو لضبط أوضاع ميزانياتها في أعقاب حزم تحفيز ضخمة أطلقتها حكوماتها العام الماضي لمواجهة أسوأ موجة ركود اقتصادي تشهده منذ عقود.
وفي الوقت نفسه لاتبدو أغلب شعوب الدول الأوروبية على استعداد لتناول هذا الدواء المر وهو ما كشفت عنه جليا سلسلة الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت القارة ضد برامج التقشف من اليونان إلى بريطانيا. وتقول فانيسي روسي لمحللة الاقتصادية بمؤسسة تشاتام هاوس البريطانية للأبحاث: بصورة عامة هذا أمر حتمي فعندما تبدأ تحركات منسقة لزيادة الإنفاق من المؤكد أنه في نقطة ما سيكون عليك سحب هذه التحركات، وتخفض الإنفاق.
إقناع العامة
والمشكلة التي تواجهها حكومات الدول الأوروبية من أجل إقناع مواطنيها بإجراءات التقشف متعددة الطبقات: تتمثل الطبقة الأولى في تحد مفاده ان الكثير من الدول اعتادت التوسع خلال فترة الازدهار الاقتصادي التي انتهت عام 2008.
أما الطبقة الثانية فهي أن الكثير من الحكومات وخبراء الاقتصاد اطلقوا حزم التحفيز الاقتصادي خلال عامي 2008 و2009 كوسيلة لمواجهة الانهيار المالي والتباطؤ الاقتصادي الناجم عن ذلك. الآن تتجه هذه الحكومات إلى إجراءات تقشف وهو ما يدفع الكثير من الشعوب إلى التساؤل عن المنطق وراء تلك التحركات.
برامج التقشف
وتقول ستوريا تيودوربولو، الباحثة بمعهد نقابات العمال الأوروبية إن الشعوب تتساءل عما إذا كانت الحكومات الأوروبية ستمدد برامج التقشف. تخشى تيودوربولو من احتمال تمديد خطط التقشف.
حيث أن الحكومات تقيم خططها على تقديرات غير واقعية على حد قولها. فإذا جاءت النتائج أقل من توقعات الحكومات، فإنها ستلجأ إلى مزيد من الخفض في ميزانياتها الأمر الذي يقضي على القليل من الآمال لدى الناس.
وتقول روسي إن الأمور ستصبح أسوأ، فإذا أجرت الحكومات مزيدا من خفض الإنفاق على الخدمات العامة فإن الشعوب التي اعتادت الحياة في ظل حكومات سخية يمكن أن تدرك فجأة كيف تكون الحياة في غياب هذه الحكومات.
وتضيف انه في مرحلة ما إذا جرى تقليص الخدمات الحكومية فلن يكون هناك عمل لهذه الحكومات وإذا لم تكن حريصا، قد تصبح الأوضاع على غرار الاتحاد السوفيتي عندما لم يعد العاملون في الدولة يحصلون على أجر.
تحقيق التوازن
وحتى في تلك الدول التي يرى فيها الناخبون أن إجراءات التقشف ضرورية من أجل تحقيق التوازن في الميزانية فإن هناك صراعات بين المجموعات المختلفة من أجل الفوز بشرائح من الكعكة المنكمشة.
ومن السهل رصد ملامح صورة برامج التقشف عبر الأرقام ففي بريطانيا على سبيل المثال اعلنت الحكومة اعتزامها خفض الإنفاق بمقدار 83 مليار جنيه إسترليني اي 129,5 مليار دولار خلال أربع سنوات. وفي أسبانيا تسعى الحكومة إلى توفير أكثر من 60 مليار يورو أي 79,5 مليار دولار.
أما اليونان فالحكومة تحاول خفض عجز ميزانيتها من 15,4٪ من إجمالي الناتج المحلي إلى حوالي النصف خلال العام المقبل. ولهذه الأرقام انعكاساتها السياسية المختلفة، فقبضة رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس رودريجيث ثاباتيرو على مقاليد السلطة تبدو مهتزة نظرا لموقف الشعب من خططه التقشفية.
أما في أيرلندا فيبدو مستقبل رئيس الوزراء بريان كوك في مهب الرياح حيث يخوض انتخابات مبكرة في يناير المقبل في حين تعارض الأغلبية خططه لخفض الإنفاق بمقدار 15 مليار يورو خلال الأعوام الأربعة المقبلة.
الأقل تضرراً
أما شعوب الدول الأقل تضررا من الأزمة الحالية، مثل ألمانيا فقد ترى أنه لا يجب الاهتمام كثيرا بها باعتبارها مشكلات شعوب أخرى وهو ما تعتبره تيودوربولو نظرة يجانبها الصواب. وتقول تيودوربولو:
من الخطأ تسويق الأمر باعتباره مشكلة أيرلندا أو اليونان فحسب. فإذا لم يتم إنقاذ هذه الدول من المشكلات التي تواجهها فقد تصبح مشكلة لألمانيا ودول أوروبا الأخرى أيضا. وأخيرا مازال الغموض هو سيد الموقف بالنسبة لأزمة الديون السيادية التي تواجه العديد من دول منطقة اليورو التي تضم في عضويتها 16 دولة وقد ألقت بظلالها الكثيفة على باقي اقتصادات القارة.
