واصلت الجزائر تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية الشاملة خلال العام 2010 ، تداركاً للسنوات (1992-2001) التي أصيب فيه اقتصادها بالشلل، جراء تدهور الوضع الأمني، وسط سخط شعبي يستعجل ثمار برامج الإنقاذ.وأعلنت الجزائر في النصف الثاني من العام الحالي، عن خطة اقتصادية خماسية غير مسبوقة للاستثمارات بلغت قيمتها 286 مليار دولار، للفترة ما بين 2010-2014، أدرجها رئيس الوزراء أحمد أويحيى ضمن دينامكية إعادة الإعمار الوطني التي انطلقت قبل عشر سنوات ببرنامج دعم الإنعاش الاقتصادي.
وتزامن الإعلان عن الخطة مع تحسن نسبي شهده الاقتصاد الجزائري خلال العام الحالي.وذكر تقرير اقتصادي حكومي حصلت «يونايتد برس انترناشونال» على نسخة منه، أن ادخار الخزينة العامة ارتفع خلال النصف الأول من العام الجاري 292,3 مليار دينار (نحو4 مليارات دولار) مقابل عجز كبير بلغ 228,7 مليار دينار (أكثر من3 مليارات دولار) خلال النصف الأول من عام 2009.كما توقع صندوق النقد الدولي في تقريره لعامي 2010-2011 ارتفاع قيمة الصادرات الجزائرية هذا العام إلى 61,8 مليار دولار، و67,1 مليار دولار للعام 2011.وتوقع ارتفاع الناتج الداخلي الخام الاسمي إلى 159 مليار دولار مقابل39,8 مليار دولار عام 2009، وإلى171,6 مليار دولار عام 2011، مع فائض متوفر في صندوق ضبط عائدات النفط والغاز بلغ4300 مليار دينار (نحو60 مليار دولار) بينما بلغ احتياطي النقد الأجنبي 157 مليار دولار حتى يوليو/تموز الماضي.
رصيد الصفقات الخارجية
وذكر التقرير الحكومي أن رصيد الصفقات الخارجية الجارية للجزائر بقي إيجابيا خلال العام 2010 وقدر ب 3,4 ٪ من الناتج المحلي بقيمة 5,4 مليارات دولار، بينما مثّل الدين الخارجي الصافي، وهو الأقل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2,9 ٪ فقط من الناتج، إذ انخفض إلى أقل من 4 مليارات دولار، بعدما كان بحدود 30 مليار دولار العام 1999. وتقاربت توقعات الحكومة الجزائرية مع توقعات صندوق النقد الدولي لمعدل النمو الذي سيستقر بنهاية العام الحالي على نحو 3,8 ٪ مقابل 2,4 ٪ عام 2009 ، ليرتفع إلى 4 ٪ عام 2011، بينما يميل التضخم إلى الانخفاض ليستقر في حدود 5,5٪ عام2010، و5,2 ٪ عام 2011 مقابل5,7٪ عام 2009.وتوقع التقرير استمرار النمو السنوي للناتج المحلي في حدود 5 ٪ بين 2010 و2014، واستمرار تراجع نسبة البطالة التي انخفضت من 18٪ العام 2004 إلى أقل من 10٪ العام 2010 (1,076 مليون عاطل)،مقابل وجود نحو10,812 ملايين عامل.
نسب البطالة
لكن الخبير الاقتصادي الجزائري الدكتور عبد القادر مشدال تحفظ على الأرقام الرسمية عن انخفاض نسب البطالة (أقل من 10 ٪ )قائلاً ليونايتد برس انترناشونال ما يهمنا هو نوعية العمل والتطور النوعي وليس الأرقام المطروحة وعندما نتحدث عن ارتفاع البطالة فهو دليل على فشل في مسألة العمل.يشار إلى أن تقريراً صدر الشهر الجاري عن الديوان الوطني للإحصاء أشار إلى وجود فوارق كبيرة حسب السن والجنس والمستوى التعليمي بخصوص العمل.وقال التقرير إن نسبة البطالة استقرت عند 8,1٪ عند الرجال و 19,1 ٪ عند النساء. وتمس بشكل خاص فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و24 عاماً، حيث بلغت 21,5 ٪، و7,1 ٪ عند من هم فوق 25 عاماً، وبشكل أكبر الجامعيين بنسبة 21,4٪ .
الاعتماد على النفط
واعتبر مشدال أن الاقتصاد هشٌ لاعتماده على عوائد النفط، ولذلك يوجد خطر حقيقي على التنمية إذا استمرت الحكومة في طريقة الإنفاق العمومي باعتمادها على هذه العوائد.وقال إن تحقيق مستوى معيّن من الفعالية الاقتصادية يجب أن يظهر من خلال التحكم بصرف النفقات العمومية بمعنى انه إذا أنفقنا دولاراً واحداً فهل سنسترجع دولاراً أو أكثر.وقال الخبير الدولي وأستاذ الاقتصاد في جامعة الجزائر الدكتور بشير مصيطفى لوكالة «يونايتد برس انترناشونال» إن الجزائر حققت نمواً فعلياً يقارب 4 وحتى 5 ٪ في هذه الفترة، بفضل اعتمادها على النفط بنسبة 70 ٪ وانعكست عوائده إيجابياً على الاقتصاد الوطني.
المحفظة الاستثمارية
ولفت بشير مصيطفى إلى ضخامة المحفظة الاستثمارية الجزائرية منذ عام 2001 التي بلغت 500 مليار دولار، لكنه قال: إذا كانت حكومتنا اقتصادية أكثر مما هي اجتماعية فبإمكانها تحقيق معدلات نمو تصل إلى 10 ٪ سنوياً مثلما هو الحال في الصين، وليس ما بين 4 و5 ٪ فقط.واعتبر مصيطفى أن وتيرة النمو لا تنفعها كثرة السيولة بقدر ارتباطها بتوزيعها إلى قطاعات سريعة النمو أو قطاعات بطيئة النمو،مشيراً إلى أن الحكومة تركّز الآن على قطاعات بطيئة النمو مرتبطة بالموارد البشرية والبناء والزراعة والموارد المائية والطرق والسكة الحديدية في ظل غياب القطاعات سريعة النمو كإنشاء المؤسسات الاقتصادية الخاصة.
تأخر ثمار الاستثمارات
وأمام ازدياد السخط الشعبي وبخاصة بين الشباب، جراء تأخر ثمار الاستثمارات العامة، وضعت الحكومة مخططاً خاصاً لتوفير 3 ملايين فرصة عمل حتى العام 2014، بدأت بتنفيذه أوائل العام 2010. وأعلنت بعد ستة أشهر أنها وفرت قرابة 700 ألف وظيفة جديدة دائمة ومؤقتة، ولكن يسجل كل عام أكثر من 400 ألف طلب عمل جديد.واعترف رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى بأن الاستثمارات العامة لم تحرّك آلة الإنتاج الوطني بما يكفي ، معتبراً أن كلفة معركة التنمية حرجة بالنسبة للموازنة، رغم أن معظم عوائد البلاد مصدرها المحروقات.
وقال مصيطفى إنه رغم السخط الشعبي من البطالة وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية وأزمة السكن، فإن الجزائر لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية .وعزا ذلك إلى أن النظام الاقتصادي ليس نظام سوق وهو مبني على الحذر من تقلبات السوق لأنه غير مندمج بالاقتصاد العالمي، ما عدا في الأسواق النفطية، ولذلك فإن التأثير على السوق المالية الجزائرية يبقى محدوداً جداً.وحذر من وقوع صدمة اقتصادية عالمية ثانية تستمر لثلاث سنوات قد تجعل الوضع مأزوماً أكثر في الجزائر.واعتبر أن السخط الشعبي مفهوم اقتصادياً لأنه لا يمكن انتعاش سوق العمل بسرعة لأن الاستثمارات العمومية موجهة لقطاعات بطيئة النتائج.
اضطرابات اجتماعية
وأضاف حتى إذا كان هناك توظيف في هذه القطاعات فهي غير دائمة ومرتبطة بالشركات الأجنبية، ومن الطبيعي أن تشهد الجبهة الاجتماعية اضطرابات تحت ضغط النمو الديموغرافي ( 36 مليون نسمة) وطلبات العمل وضعف القدرة الشرائية.وتابع مصيطفى: في حال تحكم الحكومة بتنفيذ الاستثمارات بشكل جيد ومواجهة الفساد والعبث بالمال العام فإن 3 ملايين فرصة عمل ومليون وحدة سكنية جديدة سيحسّن وضع الاقتصاد ويضعنا على السكة ويمكن أن يعطينا مدخلا لإنتاج الثروة.
