رغم الظروف العالمية الصعبة، حافظت ليبيا طيلة العام 2010 على برامج إعادة هيكلة اقتصادها المعتمد على النفط، الخاضع أصلاً لتقلبات الأسعار ولسيطرة القطاع العام الذي يمتص ثلاثة أرباع القوى العاملة والمفتقر للتنوع، فيما تبدّت ضآلة استثمارات القطاع الخاص. وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة الفاتح الدكتور عبد الحميد أبو بكر يوسف ليونايتد برس انترناشونال، إن السياسة الاقتصادية الليبية في العام 2010 قللت من آثار الأزمة المالية العالمية، وإن مصرف ليبيا المركزي تبنى أسلوباً حذراً أدى إلى استقرار النظام النقدي وعدم الإضرار بالدينار الليبي مقابل العملات الأخرى.
غير أن رئيس التحرير التنفيذي السابق لصحيفة (أويا) الاقتصادية، أحمد الخميسي خالفه الرأي وأكدّ أن الحركة الاقتصادية أصابتها الرتابة رغم محاولة إزالة العراقيل المتمثلة بـالفساد الإداري والبيروقراطية.وقال الخميسي ليونايتد برس إنترناشونال، صدرت هذا العام قوانين جديدة لتحديث الاقتصاد، مثل القانون الاقتصادي والعمل والجمارك وضريبة الدخل، غير أن الحكومة لم تصدر حتى الآن اللوائح التنفيذية لهذه القوانين، معتبراً أن ذلك أحد الأسباب التي تعرقل النشاط الاقتصادي.ورغم أن مجلة غلوبل فاينانس، وضعت ليبيا في المرتبة الثامنة عربياً والـ57 عالمياً من حيث مستوى دخل الفرد الذي بلغ 14884 دولاراً في العام 2010، مقابل 14328 دولاراً في العام 2009، إلا أن محافظ مصرف ليبيا المركزي فرحات بن قداره أكد أن السياسات والإجراءات التي اتخذت للنهوض بالاقتصاد ما زالت تتأثر بغياب استراتيجية شاملة لإعادة هيكلته.
وأكد يوسف أن النظام الاقتصادي معافى ويمر بمرحلة نمو وتطور ومن يرى رتابة فهو غير واقعي، لكنه أشار إلى وجود عدم تناسق ربما في سير عمل الحكومة نتيجة النهضة العمرانية الضخمة هذا العام. وسبق للحكومة الليبية اتخاذ إجراءات جريئة لهيكلة الاقتصاد، من بينها فتح القطاع المصرفي للمنافسة المحلية والأجنبية، وتبسيط نسبي لإجراءات طلبات إقامة المشاريع وتحرير معظم الأسعار وإزالة القيود على التجارة الخارجية.ورغم قول وزير الاقتصاد محمد الحويج إن الاقتصاد حقق نمواً بنسبة 8٪ وانخفاض نسبة التضخم من 18٪ منذ ثلاث سنوات إلى 3٪ في العام 2010 إلاّ أن دراسة اقتصادية أعدها الخبير أبوبكر المبروك بشير نشرت مؤخراً كشفت وجود خلل حقيقي في الاقتصاد الليبي على المستوى الوطني أثر في فعالية أدائه.
وأرجع بشير السبب إلى استمرار هيمنة القطاع العام على الاقتصاد بنسبة عالية جداً، الذي لا يزال يسهم بما يعادل 86,6٪، فيما تراجعت نسبة مساهمة القطاع الخاص إلى 13,4٪ فقط .وقال: ظهرت العديد من العيوب الأخرى في الاقتصاد الليبي ساهمت بدورها في عدم منحه القدرة على مجاراة سرعة الناتج الاقتصادي لكثير من بلدان العالم ومن تلك الأسباب سيطرة النظام الإداري البيروقراطي وتفشي الرشوة والمحسوبية والفساد الإداري.
صناعة النفط
ويؤكد المسؤولون الليبيون عزمهم على الاستمرار في برامج إعادة هيكلة الاقتصاد، الذي يعتمد على دخل النفط بنسبة تتجاوز 90٪، وتحديثه وتسريع وتيرته اعتماداً على باقي القطاعات الاقتصادية. وتنتج ليبيا، مليوناً و800 ألف برميل يومياً من النفط الذي يشكل أكثر من 95٪ من الصادرات و75٪ من ميزانية الدولة بينما تقدر احتياطياتها بـ42 مليار برميل.غير أن هذه الموارد الضخمة لم تسهم في تحسين القطاعات المهمة، ما دفع الزعيم الليبي معمر القذافي أكثر من مرة للتهديد بثورة أخرى يقودها مع الفقراء ضد الفساد.
وأكد القذافي أن سيطرة الدولة على الاقتصاد نتج عنها سرقات وفساد، وطالب بتوزيع ميزانية الدولة مباشرة على العائلات التي قدرها بنحو 500 ألف عائلة، أو ثلاثة ملايين شخص بالتساوي، بواقع خمسة آلاف دينار شهرياً لكل عائلة أو بواقع ألف دينار شهرياً لكل شخص.ورأى الخميسي أنه في حال كانت ليبيا جادة في ذلك فعليها خلق الظروف المناسبة التي تتطلب عدم وضع سياسة نقدية انكماشية لتقييد الائتمان، تقابلها سياسات مالية توسعية من خلال زيادة الإنفاق العام.
مشكلات الشباب
وقال يوسف إن المطلوب الدفع بالمشروعات التي تهم الشباب ومنحهم القروض والتسهيلات لإقامة مشاريع حقيقية لا وهمية تضمن الدولة نجاحها، مشيراً إلى أنه إذا تمكنت ليبيا من حل مشاكل شبابها الذين يمثلون 60٪ من عدد سكانها ستحل جميع مشاكلها الاقتصادية.وتركز الحكومة الليبية على تبني سياسات تهدف إلى تنويع الاقتصاد والحد من الاعتماد على النفط وتحويل الملكية إلى القطاع الأهلي وقصر دور الدولة على وظيفة المنظم.ونبه بن قداره في دراسة اقتصادية إلى أن ليبيا قد تواجه صعوبات كبيرة في تسيير الاقتصاد، وعجزاً كبيراً في ميزانياتها القادمة، وستجد صعوبة في مواجهة دفع مرتبات موظفيها في القطاع العام في حال انخفاض أسعار النفط بعد عام 2015 لمستويات أقل من 40 دولاراً للبرميل.
عام ضخ المليارات
وأطلق مراقبون اقتصاديون على العام 2010 اسم عام ضخ المليارات من الدينارات على مشاريع جديدة للبنى التحتية جذبت عشرات الشركات الأجنبية ودفعت رؤساء دول إلى خطب ود ليبيا لتسهيل عمل شركاتها.وبلغ إجمالي مشاريع الإسكان والمرافق 59 ملياراً و400 مليون دينار (نحو 47 مليار دولار) لتنفيذ 245 ألفاً و400 وحدة سكنية، وإجمالي عقود بقية القطاعات 10 مليارات و9 ملايين دينار، موزعة على التعليم والصحة والمرافق العامة المزمع الانتهاء منها سنة 2012.
ورأى يوسف أن ضخ المليارات لتنفيذ عشرات المشاريع يؤدي إلى انعدام الرقابة والطمع ويجعل الحكومة غير قادرة على متابعتها.. إلا عن طريق تقارير قد تكون غير صادقة.وقال يوسف بالتأكيد إن ليبيا لها تأثير قوي في محيطها الإقليمي باعتبارها من الدول الغنية في المنطقة غير أن هذا الأمر يتطلب تنظيم النشاط الاقتصادي والتركيز على النشاط السياحي، خاصة أنها تمتلك مقومات سياحية ضخمة.
