الصين والسباق التكنولوجي

صورة

في أولمبياد بكين 2008، حصدت الصين معظم الميداليات الذهبية، على الرغم من أن الغرب ركز على إنجازات السبّاح الأميركي مايكل فيلبس. وتكرر المنحى نفسه بصورة واضحة في قائمة تكنولوجيا الشركات الناشئة التي تزيد قيمة كل منها على مليار دولار. ربما تسرق بعض شركات التكنولوجيا مثل «إيرنب» و«سبيس إكس» و«أوبر» الأضواء عن غيرها، لكن الصينيين هم قادة الميداليات الذهبية بلا منازع.

وتحتوي جميع قوائم الشركات الخاصة على درجات متفاوتة من الطابع الذاتي والأخطاء، ولكن ترتيب «ويكيبيديا» المتعلق بالشركات الناشئة التي يزيد رأسمالها على مليار دولار، يتركز على رأس المال ويوفر نظرة خاطفة نحو المستقبل. وبالنسبة للغرب، يجب أن يكون هذا الأمر مثيراً للقلق. فمن أصل 50 شركة جديدة تم إدخالها، هناك 26 منها صينية و16 أميركية. ولا يوجد أي شركة أوروبية. كما يهيمن الصينيون على أثمن هذه الشركات. ومن بين الـ20 شركة الأولى، التي تزيد قيمتها السوقية على 10 مليارات دولار، هناك 11 منها صينية و6 أميركية و2 هندية.

ويقبل العديد من المصرفيين الاستثماريين في مجال التكنولوجيا في كاليفورنيا على شراء الاكتتابات العامة الأولية، ويميلون للتعامل مع المزيد من الشركات الصينية أكثر من الشركات الأميركية المحلية. فقد تقدمت شركة الهواتف الصينية الذكية «زياومي» بطلب لتعويم شركتها في هونغ كونغ، الأمر الذي أثار القلق في أسواق البورصة بالولايات المتحدة. ومن بين الأهداف الأخرى للمصرفيين، الوصول إلى التطبيقات الخاصة بشركات المواصلات الصينية مثل «ديدي تشوكسنغ» و«ميتوان».

وتؤكد معدلات نمو شركات التكنولوجيا العامة الرائدة في الولايات المتحدة على المنحى نفسه، ففي ربع السنة المنتهية في مارس 2018، بلغ متوسط نمو أكبر 5 شركات أميركية 26%، في حين ازداد نمو أكبر 5 كيانات صينية بنسبة 33%.

وعلى الرغم من أن الشركات الأميركية تبدو أكبر حجماً، لكن الفجوة بينها ومثيلاتها الصينية بدأت تضيق، ففي مطلع 2016، كانت الشركات الـ5 الأولى في الصين تضاهي في قيمتها ربع نظيراتها في الولايات المتحدة، وبحلول نهاية مارس 2018 ضاقت الفجوة بينهما إلى الثلث. والآن، فإن شركات «فيسبوك» تحتل الترتيب الخامس في مجموعة شركات التكنولوجيا الأميركية الأكثر قيمة، وتتقدم على شركة «علي بابا»، جنباً إلى جنب مع شركة «تينسنت» التي لم تتخلف عنها كثيراً. فلا عجب في أن الشبان الصينيين الذين يبحثون عن نماذج يحتذى بها يستحضرون أسماء مثل جاك ما، وبوني ما، ولي جون (ومؤسسي «علي بابا» تنسنت وكسيا أورمي)، أكثر من استحضارهم لمؤسس «أمازون» جيف بيزوس، أو مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، أو مؤسس «آبل» الراحل ستيف جوبز. وتبرز شركات الإنترنت الصينية أيضاً لأنها تشتري حصصاً في العديد من شركات التكنولوجيا الخاصة الأصغر حجماً والأكثر إثارة للاهتمام. يشبه هذا إلى حدٍ ما الشركات العقارية التي تختار أفضل العقارات المقامة على شاطئ البحر.

وتتركز معظم الأنشطة الصينية في خارج الولايات المتحدة، حيث أنشأت كل من «تينسنت» و«علي بابا» مجموعات ضخمة من الشركات الاستثمارية التابعة لهما، فلدى «تينسنت» أكثر من 600 وحدة استثمارية، في حين أن لدى «علي بابا» نحو 400، وهو ما يُقزّم مصرف «سوفت بانك» الياباني، ويبدو ذلك في تحقيق الأرباح. كما يصف منتقدو هذا النهج نشاط هذه الشركات بأنه غير منضبط، لكن المعجبين يجادلون بأن هذه الاستثمارات تشبه إلى حدٍ ما مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها رئيس الوزراء الصيني شي جينبينغ. والشركة الأميركية الوحيدة التي تقترب من هذا النهج هي شركة «غوغل»، التي حققت أكثر من 100 استثمار منذ بداية 2017، على الرغم من أنها مُركّزة بشكل كبير في الولايات المتحدة. كما قامت بشراء أكثر من 80 شركة بشكل كامل منذ 2014.

ومن الصعب تجاهل وجهة النظر القائلة بأن المجموعات الصينية لها تراثها الحقيقي، فهي تستخدم استثماراتها كوسيلة فاعلة للمساعدة في تحقيق التعريف الصيني القديم للمملكة الوسطى، أي كمركز يدور في فلكه كل شيء آخر.

*محلل اقتصادي بريطاني لدى الـ «فايننشال تايمز»

تعليقات

تعليقات