بطاريات التنافس الصناعي

السباق الدائر لتطوير تكنولوجيا البطاريات لا يتعلق فقط بمسألة إيجاد طرق لتسهيل شحن السيارات الكهربائية، وجعل قيادة تلك السيارات ملائمة أكثر للمسافات الطويلة، فتلك الطرق مجرد عوامل في لعبة معقدة من التنافس والتعاون الصناعي في العالم، فيما القضية الأساسية هي موقع أحد أهم القطاعات الصناعية في العالم: صناعة السيارات.

السيارات الكهربائية في طريقها إلينا، ويوجد حالياً حوالي 2.5 مليون سيارة كهربائية على الطرقات في أنحاء العالم، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يزداد العدد إلى ما بين 40 و70 مليون سيارة بحلول 2025، مع احتمال نمو عالمي قوي لاحقاً، مدفوعاً بمزيج من أنظمة تستهدف استخدام سيارات محركات الاحتراق التقليدية وتراجع في تكلفة البطاريات.

وتحظى شركة «تسلا» الأميركية بمعظم الدعاية على نماذجها الذكية ومشكلاتها المالية، لكن من الواضح أن القائد العالمي في هذه الصناعة هو الصين، التي تعتبر موطن 3 أرباع الأسطول الحالي.

ومع القدرة الاستثنائية لبكين في تحديد نوع السيارات التي بإمكان السائقين استخدامها، من الممكن أن يزداد هذا الرقم بشكل دراماتيكي على مدى السنوات العشر المقبلة. وفيما تقوم فرنسا والمملكة المتحدة بتحديد أهداف الانتقال بعام 2040، من الممكن أن نرى الصين وهي تقوم بطلب تشغيل جميع المركبات الخفيفة الجديدة على الكهرباء بحلول 2030، وهو ما قد يساعد البلاد في تحسين جودة الهواء في المدن، وأمن الطاقة الذي يهدده الارتفاع المتزايد في واردات النفط.

ويجري تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية في مصانع «جيجا» الشاسعة. وتقود الصين واليابان المجال في هذا الميدان، فحتى عمليات «تسلا» تعتمد على تكنولوجيا شركة «باناسونيك» اليابانية. وتحتاج تلك المصانع لأن تكون بالقرب من المراكز الرئيسية لإنتاج السيارات، ويدور السباق الآن حول موقع استضافة تلك المصانع الهائلة التي ستخدم السوق المتنامي، حيث ستشكل المواقع التي تم اختيارها جغرافية قطاع السيارات لعقود مقبلة.

وتمضي جميع شركات تصنيع السيارات في إنتاج نماذج تلبي احتياجات قطاعات مختلفة من السوق، وتركز على اقتصاديات تزويد المستهلكين الذي يصعب إرضاؤهم في أوروبا وأميركا الشمالية الذين يرغبون بالراحة وأسلوب الحياة والأداء بتكاليف معقولة. وسوف تستخدم تلك الشركات التكنولوجيا الصينية واليابانية لإنتاج بطاريات، لأن تكلفة اختراع بدائل جديدة مرتفعة للغاية.

موقع بناء المركبات يبقى مفتوحاً للاحتمالات، لكنه سوف يتحدد بموقع صناعة البطاريات، إلى حد كبير، ومن المرجح أن يكون موقع العمليتين بالقرب من بعضهما بعضاً.

ويقضي المنطق التجاري بتحديد موقع التصنيع في المناطق حيث هناك طلب قوي مدعوم بسياسات وحوافز تنظيمية داعمة لانتقال المستهلكين بعيداً عن مركبات محركات الاحتراق. وهناك حاجة إلى قوة عاملة ماهرة، بعد أن اكتشفت «تسلا» أن إنتاج السيارات الكهربائية ليس أمراً سهلاً. وعادة ما يتطلب مصنع «غيغا» موقعاً يغطي مساحة للتوسع وطرق للوصول ممتازة.

ولعل أهم متطلب يكمن في وجود قاعدة بحوث مجاورة، ذلك أنه من الضروري وجود فهم عميق بالتكنولوجيا المعنية لتصميم إلكترونيات الطاقة وإدارة أنظمة السيارات الكهربائية ونظام الشحن أيضاً، بما في ذلك الرابط بين المركبة والشبكة.

ولا تستطيع العديد من البلدان تلبية هذا المطلب الأخير. بعيداً عن الولايات المتحدة والصين، فإن الخيارات الرئيسية هي ألمانيا وبريطانيا، وربما فرنسا. وسوف تحاول اليابان والهند التنافس مع الصين على السوق الآسيوي.

ومع دخول السيارات الكهربائية السوق، فإن إنتاج البطاريات سوف ينمو واستخداماتها سوف تمتد إلى ما وراء المركبات الخفيفة، وصولاً إلى أجزاء أخرى في قطاع النقل ومشاريع الطاقة، مثل شبكة الطاقة الكهربائية.

ومن المتوقع أن تصبح البطاريات إحدى الصناعات العظمى للقرن 21، مع مجموعة من الشركات الصغيرة التي تتعامل مع التحديات التقنية حول المنتج الأساسي، وتشمل سلسلة توريد ممتدة عدداً كبيراً من الوظائف.

ويشي مفهوم اقتصاديات الحجم وتمركز الإنتاج بأن ما لا يزيد عن حفنة من المواقع ستكون لديها مصانع «غيغا»، أما نتائج التنافس على إيوائها، فتعتمد على مزيج من السياسات العامة والمبادرات الخاصة.

ويمضي مشهد صناعة البطاريات في التطور. قد تشعر الولايات المتحدة وبلدان أخرى بأنها مضطرة لتطوير تكنولوجيات الإنتاج الخاصة بها للحد من الهيمنة الآسيوية على السوق.

أما الحكومة البريطانية، فهي مشتتة بسبب «الخروج من الاتحاد الأوروبي» لكي تسعى وراء استراتيجية صناعية طويلة الأجل، لتوليد سوق وتوفير المهارات والأرض وإجراء التعديلات التنظيمية من أجل جذب المستثمرين. ولا تكون ألمانيا مستعدة بعد للقبول بفكرة أن تكنولوجيا محركات الاحتراق الداخلية التي تعود إلى كارل بنز وغوتليب دايملر قد تم استبدالها بأخرى.

الرهانات مرتفعة جداً، وتشمل مليارات من الاستثمارات وعشرات الألوف من الوظائف الماهرة. وفي عالم الطاقة المتغير، فإن إمكانية الحصول على موقع في قلب سوق البطاريات الجديد هو مكافأة كبيرة، فيما الإخفاق يشكل خسارة كبيرة للقوة الصناعية.

*أستاذ زائر في «كينغز كوليدج لندن» وكاتب عمود في «فايننشال تايمز»

*ترجمة: نهى حوّا

 

تعليقات

تعليقات