مستقبلنا الاقتصادي وفضيحة «فيسبوك»

عندما تُحدث ثورة تكنولوجية انقلاباً في عالمنا، فإنها تفيد في البداية عدداً صغيراً من الناس على حساب الآخرين، حدث هذا خلال الثورة الصناعية التي حققت ولادة الإنتاج الضخم، مما أفقد ألوف العمال المستقلين المهرة حِرَفهم ومصدر رزقهم، قبل أن يلحق القانون والمجتمع بوتيرة التغيير، ويجري تقاسم المنافع بشكل واسع. قد يكون هذا درساً في العصر الحديث مع ثورة عصر المعلومات، فعواقب فضيحة «فيسبوك» الحالية تذهب أبعد بكثير مما قد يعتقد البعض.

فما بدأ كخلاف بشأن البيانات التي حصدتها «كامبريدج أناليتيكا» عن 50 مليون مستخدم لـ«فيسبوك»، معظمهم في الولايات المتحدة، توسّع بسرعة إلى سجال عام طال انتظاره بشأن الطريقة التي تجمع «فيسبوك» وعمالقة الإنترنت بياناتنا وتتعامل معها وتحزمها من أجل تأمين أرباحها الفاحشة بمليارات الدولارات.

وإلى جانب خصوصيتنا والمخاطر السياسية، فإن قضية من لديه الحقوق ببياناتنا يمكن أن تقرر مستقبلنا الاقتصادي. ومن الواضح أنه، في المجموع، معلوماتنا الشخصية، حتى التفاصيل غير المؤذية مثل تاريخ بحث المتصفح، تساوي مبالغ هائلة من الأموال.

وتقدّر «ألفابت»، وهي الشركة الأم لشركة «غوغل»، بأكثر من 720 مليار دولار في غضون 20 عاماً من بدء عملها، مع النسبة الكبرى من المبالغ مستمدة من الجهود الإعلانية والمعلوماتية. أما «فيسبوك»، التي احتفلت أخيراً بعيد ميلادها الـ14، لا تزال تساوي أكثر من 475 مليار دولار، حتى بعد تدهور في الأسابيع الماضية.

كل تلك التقييمات، التي تصل إلى أكثر من تريليون دولار، تشكّل انعكاساً لقيمة بياناتنا، وحقوق تلك الشركات عليها، بناءً على ما وافق عليه مليارات من الأشخاص في الشروط والأحكام. وعلى الرغم من القيمة الهائلة التي أوجدتها بياناتنا، فقد سلّمناها في مقابل القليل من الخدمات التي تقدمه تلك الشركات. الآن نعلم قيمتها الحقيقية، وهي تصل إلى مستوى لم يكن من الممكن التنبؤ به عندما كانت تلك الشركات فتية، ويجب أن نسأل ما إذا كانت المقايضة عادلة.

إذا كان صحيحاً ما قيل إن البيانات تشكّل النفط الجديد ولإدراك صحة الأمر، يكفي أن ننظر إلى الزيادة في الثروة الأميركية التي تحتفظ بها النسبة الأغنى في العالم (ما يصل إلى 160 ألف عائلة تشكّل 0.1% من السكان) في المجتمع الأميركي، من 7% عام 1978 إلى أكثر من 20% اليوم.

هذا هو مستوى تركيز الثروة الذي لم يسبق له مثيل في الذاكرة البشرية الحية، كان بالمستوى المذكور للمرة الأخيرة خلال العشرينيات من القرن الماضي، ويصاحبه عمال منتظمون يحصلون على قطعة متناقصة من الكعكة.

بعبارات أخرى، الثروة والسلطة تتركزان أكثر فأكثر في أيدي نخبة صغيرة، فيما يحاول بقية الناس التعلق بما لديهم. وسيكون من العبث القول إن التكنولوجيا هي السبب الوحيد لهذا التوجه، ما دام هذا التوجه هو الموروث الاقتصادي للحكومات المتعاقبة. وعلى الرغم من رسائل سيليكون فالي المتسامحة بشأن جمع العالم في بوتقة واحدة، ونزع المركزية عن السلطة، فإن التكنولوجيا، وتحديداً صناعة البيانات، تركز عملة المستقبل في يد عدد قليل من الأشخاص.

وقد بدأت شركة «فيسبوك» الاعتراف بضرورة إيضاح كيف تستخدم البيانات وتضع مستخدميها في حزمة وتوفرها للمعلنين.

 

 

 

تعليقات

تعليقات