لقد حان الوقت أن تشرع حكومات العالم للشركات بإصدار ديونها بصيغة جديدة، لصيقة بموارد الدولة. ويعِد طرح السندات المرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي، مع عائدات السندات ورأس المال الذي يرتفع وينخفض تبعاً للناتج المحلي الإجمالي للدولة، بحلّ عدد من المشكلات الجوهرية التي تواجه الحكومات عند تعثر اقتصادات بلادها. وما إن تصدر الدول المختلفة سندات مرتبطة بمؤشر الناتج المحلي حتى ينجذب المستثمرون لإمكانيات تحقيق عائدات مرتفعة مع تحسن أداء الدول.
وتعتبر آلية الديون تلك مشوقة على نحو خاص بسبب حجمها الهائل، فعلى الرغم من البدايات المتواضعة، فإنها تتسم بأهمية كبرى. إن القيمة السوقية لكامل الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتفوق على أسواق الأوراق المالية العالمية ويمكن تقييمها اليوم بكوادر مليارات الدولارات الأميركية.
تعدّ الفكرة الأساسية بغاية البساطة، حيث تقوم الحكومات بإصدار سندات مرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي لجمع الأموال تماماً كما تطرح الشركات الأسهم. وتتعهد الحكومات، بإصدار تلك السندات، بأن تسدد الديون بما يتناسب مع الموارد التي لديها، قياساً بالناتج المحلي الإجمالي للدولة.
وتعتبر نسبة السعر قياساً بالناتج المحلي الإجمالي المتعلقة بالسندات المرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي مشابهة لنسبة السعر مقابل الأرباح في أسهم الشركات. ويكمن الفارق الوحيد في أن القيمة الأسمية للناتج المحلي الإجمالي أكبر من أرباح الشركات الممثلة في الأسواق المالية.
ويشير كتاب «السندات السيادية المرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي» الصادر عن مركز أبحاث السياسات الاقتصادية إلى أن طرح السندات المرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي سيخلق «فضاءً مالياً» يشكل وسادة مستلزمات لبعض الدول. وحين يتم تسديد ديون الحكومة في إطار العملات النقدية كما يجري حالياً، فإنه غالباً ما تقع الحكومات والدول في المشكلات.

وتصبح في ظل الأزمات المالية، في وضع الإفراط في الاستدانة، عاجزة عن الإقدام على مزيد من الاقتراض، ومجبرة على اتخاذ خطوات قاسية قد تعيق التعافي من الأزمة. ويغدو دافعو الضرائب، وليس المستثمرين الطوعيين في دائرة المعرضين النهائيين للخطر.
ويشابه طرح السندات المرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي شراء الضمانات بوجه التعثر الاقتصادي. وما كانت الأزمات المالية التي حلّت ببلدان كإيرلندا واليونان قبل عقد، لتكون بهذه الحدّة لو كان الدين مرتبطاً بالناتج المحلي الإجمالي.
ويصحّ الأمر اليوم، حيث سيمضي المستثمرون في تحمّل المخاطر، شرط الحصول على ارتفاع غير محدود في ربحية الاستثمار في الاقتصادات الكلية، ويمكنهم تحقيق الحد الأقصى من التنويع الاستثماري عبر تملّك سندات مرتبطة بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي من حول العالم.
يساور البعض القلق من أن تلجأ الحكومات إلى التلاعب بإحصائيات الناتج المحلي الإجمالي كي تدفع مبالغ أقل، لكن ذلك غير وارد كثيراً لأن الناتج المحلي الإجمالي المتدني قد يعتبر واحداً من دلالات الفشل الحكومي.
يشهد الاقتصاد العالمي تحسناً لكن حصيلة الأزمة المالية خلفت ديناً حكومياً مكدساً، وتركت الحكومات أقل قدرةً على الاعتماد على السياسة النقدية للاستجابة مع أية أزمة جديدة. من الأهمية بمكان الشروع في إنشاء دين مرتبط بالناتج المحلي الإجمالي، بحيث يمكن التعامل مع كبريات المخاطر المقبلة. خضعت أدوات الدين المشابهة للسندات المرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي للتجربة فيما مضى، لكن في وقت متأخر جداً: أي كأحد عناصر الطوارئ لعملية إعادة الهيكلة ما بعد التعثر.
أما اليوم، فتحظى الدول التي لا تعيش أزمات مالية بفرصة تجربة شيء حقيقي. ولن تظهر الخطوة الجبارة المقبلة، إلا حين تصدر الدول المتطورة سندات مرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي في أوقات تتسم بالطبيعية النسبية. ومن شأن ذلك أن يشكل مثالاً ينتظر بقية العالم للاحتذاء به.
* بروفسور الاقتصاد بجامعة يال
emirates@albayan.ae
