العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    لا لشراء النجاح

    فريد فاروق

    الكثير يظن أننا بالمال نستطيع شراء أي شيء. فهل نستطيع أن نشتري به النجاح؟

    الحديث عن الممارسات الناجحة للمؤسسات يملأ كتب الإدارة والدورات التدريبية والمؤتمرات الحكومية وغيرها من المحافل. فيبدو أن الجميع في حالة بحث عن أسرار النجاح المؤسسي ويتوقعون أن يحصلوا عليها على طبق من ذهب.

    ويبدو أيضاً أن سر النجاح لم يعد سراً بعد الآن. إذا تبادر معظم الشركات الناجحة أمثال Google وAmazon وToyota وStarbucks وغيرها، لكتابة أسرار نجاحها ونشرها في كتب تباع في المكتبات بثمن بخس زهيد.

    فهل تساءلت يوماً لماذا لا تخشى الشركات نشر ممارساتها الناجحة؟ فمن الممكن أن يقوم منافسوها بتقليدها ومن ثم التفوق عليها.

    في الواقع الشركات الكبرى على أتم دراية بأن ممارساتها الناجحة التي تشاركنا بها لن تصنع وحدها الفارق، ولهذا فهذه الشركات دائماً في حالة اطمئنان أن مكانتها في السوق لن تتأثر بمن يقوم بتقليدها "تقليداً أعمى".

    الحقيقة أن ما يصنع الفارق في النجاح المؤسسي لا يمكننا الحصول عليه في صفحات كتب تتحدث عن نجاح الغير. ولا يمكننا أيضاً الحصول عليه بسماع خطابات مديري ورؤساء الشركات في المؤتمرات. بل يجب البحث عنه داخل أروقة مؤسساتنا التي نعمل فيها.

    وللأسف، هذا البحث ليس بالسهل، لأن ما يصنع الفارق لن تجده في ممارسات ظاهرية يمكن توثيقها ومن ثم تكرارها كالاستراتيجيات والمبادرات الإدارية وطرق تنفيذ المشروعات. إنما هي تقاليد تخلق ثقافة المؤسسة التي نعمل فيها كالعادات والقيم والمعتقدات لدى الأفراد الذين يعملون ويديرون المؤسسة.

    بيئات العمل مبنية في الدرجة الأولى على أفرادها وممارسات هؤلاء الأفراد أو بالأحرى طرق إدارتهم تخلق ثقافة المؤسسة.

    فمثلاً، بيئات العمل المركزية التي يسيطر شخص واحد على قراراتها، تخلق ثقافة الاتّكالية، إذ يعتاد الموظفون على الانصياع وراء "صاحب القرار" بدلاً من الشروع في المبادرات وطرح الأفكار.

    وبيئات العمل المبنية على قواعد دقيقة تفصّل مهام كل موظف إلى أدق التفاصيل، تخلق ثقافة الأنانية، حيث يقوم كل شخص بعمله المناط به فقط ولا يكترث بمن حوله.

    أما بيئات العمل التي تركز على الربح المادي البحت، فتخلق ثقافة عدم الاكتراث للمجتمع وقد تُوَلّد أحياناً وللأسف ممارسات غير شرعية من قبل مسؤوليها وموظفيها لغرض الاستفادة مادياً. ولهذا تعتبر كل مؤسسة مختلفة عن غيرها حتى إذا كان لديها نفس المنتجات والخدمات. وبالتالي لن يجدي تطبيق ممارسات الغير والتطلع إلى استنساخ نجاحهم من دون معرفة نقاط القوة والضعف في ثقافة مؤسستك.

    ومع ذلك لا يزال المديرون التنفيذيون يصبون معظم تركيزهم وطاقاتهم على وضع الاستراتيجيّات وتنفيذ المشروعات، وغيرها من المبادرات من دون مراعاة وفهم للثقافة السائدة في المؤسسة.

    وهنا يجدر بِنا التساؤل لماذا لا يعطي المسؤولون والمديرون التنفيذيون لأنفسهم الفرصة لاكتشاف بيئة العمل من خلال ثقافة أفرادها؟ لماذا يغضون النظر عن سلوكيات الأفراد التي تؤثر سلباً في ثقافة الشركة؟ ولماذا لا يعترفون بأن أسلوب إدارتهم أحياناً قد تخلق ثقافة لا تخدم أهداف الشركة وبالتالي تقلل من فرص نجاحها؟

    قد تكون الإجابة على هذه التساؤلات أن المسؤولين يظنون أنه بتوضيح الأهداف ووضع الخطط الاستراتيجية وتحديد المشروعات ومهام منفذيها سوف تسير الأمور على ما يرام وحسب ما تم التخطيط له بغض النظر عن ثقافة الشركة وسلوكيات أفرادها. فلا داعي لمضيعة الوقت في بذل الجهد لتغيير وتحسين ما يعتقده ويمارسه أفراد المؤسسة.

    ولكن النتيجة في معظم الأحيان تتوافق مع المثل السائد: "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". فالاستراتيجيات تنتهي صلاحيتها قبل تنفيذها. والكثير من المشروعات لا يتم إنجازها في وقتها المحدد وحتى عند الانتهاء منها قد لا تحقق عدداً كبيراً من غاياتها.

    ما الذي يحدث هنا إذا؟

    الإخفاقات دليل كبير على أنه حان الأوان للمسؤولين أن يعترفوا بأهمية ثقافة مؤسستهم المبنية على ممارسات أفرادها. ومن ثم استغلال نقاط القوة لصالحهم، وتجنب نقاط الضعف إما عن طريق تحسينها أو إزالتها كلياً. إذا أخذنا هذا الجانب بعين الاعتبار عند وضع استراتيجيات مؤسساتنا فالرياح قد تجري بما تشتهي السفن.

     

    كاتب ومحلل اقتصادي إماراتي

    طباعة Email