ينهمك مجلس البنك المركزي الأوروبي في الجدل والتخطيط، لتخليص منطقة اليورو من برنامج التحفيز النقدي بقيمة تريليوني يورو، الذي يعتبره كثر أنه أنقذ اقتصاد التكتل الأوروبي من الركود.

وتقتصر المهمة التي بصدد صناع القرار النقدي الـ 25 في منطقة اليورو ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي على كيفية التراجع عن ممارسة عمليات الشراء المكثفة للسندات والمعروفة بالتسهيل الكمّي من دون إثارة مخاوف المستثمرين والتسبب بالضرر لعملية التعافي الاقتصادي للتكتل.

لقد شهد المردود الاقتصادي ارتفاعاً قابله انخفاض في البطالة منذ شروع البنك المركزي الأوروبي تنفيذ برنامجه غير المسبوق في ربيع العام 2015، لكن في ظل الأجندة التي تقرر بموجبها الاستمرار باعتماد التسهيل الكمّي حتى نهاية العام، يبقى مطروحاً بقوة سؤال ماذا سيحدث في 2018؟

ويعمد البنك المركزي الأوروبي حالياً لشراء 60 مليار يورو من غالبية سندات الحكومة شهرياً كونها جزءاً من برنامج التسهيل الكمّي. وتتلخص المسألة الأساسية بالنسبة للمستثمرين في الإطار الزمني وحجم مبيعات الأصول في العام المقبل.

ويتوقع المحللون أن يعلن دراغي عن إبطاء وتيرة برنامج بيع السندات إلى ما بين 20 إلى 40 مليار يورو. وإذا انخفض الرقم المؤقت إلى 40 مليار يورو فسيغدو بمقدور المصرف المركزي أن يقرر تحديد التسهيل بمدة ستة أشهر إضافية تعادل قيمة المشتريات. أما إذا جاء التغيير أكثر دراماتيكية وكان أقرب لمبلغ 20 مليار يورو، فمن المتوقع أن تطول المدة لتصل من تسعة إلى 12 شهراً.

وتوقع غالبية المحللين أن يوصي بيتر برائيت المحلل الاقتصادي الرئيسي في البنك المركزي الأوروبي، بتناقص تدريجي أبطأ وتيرة، في نظرة تنعكس في توقعات السوق بمدة تسعة أشهر إضافية من المبيعات بمعدل 30 مليار يورو في الشهر.

ويكمن المحرك وراء التناقص التدريجي بوتيرة أبطأ في عمله على دفع توقعات الارتفاع في الدرجة الأولى داخل منطقة اليورو إلى الربع الأول من العام 2019 على أقل تقدير. وقد تعهد البنك المركزي الأوروبي في الحفاظ على معدلات الفائدة دون تغيير إلى ما بعد نهاية فترة التسهيل الكمي. ويأمل البنك من خلال الالتزام بالحفاظ على معدلات الفائدة حتى العام المقبل بأن يحدّ من أية مكاسب لليورو مقابل الدولار، وبالتالي تفادي تراجع التضخم على خلفية أسعار الاستيراد أقل ثمناً.

وتسود التوقعات في الأسواق بأن تبلغ معدلات الفائدة الأميركية في منتصف العام 2019، اثنين في المئة. عادة ما تؤدي معدلات الفائدة الأعلى إلى عملات أكثر قوة، إلا أنه وبالرغم من الهوة الفاصلة بين السياستين النقديتين لأوروبا وأميركا، فقلة فقط تتوقع أن تضعف العملة الموحدة مقابل الدولار.

وتبقى النقطة الأكثر جدلاً متعلقة في ما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيعلن أن الاقتصاد قد وصل إلى مرحلة من التعافي تكفي لإنهاء التسهيل الكمي في مرحلة ما من العام 2018.

ويؤمن صقور المجلس من أمثال هنز وايدمان رئيس البنك الاتحادي الألماني، وكلاس نوت، رئيس البنك المركزي الهولندي بضرورة التزام البنك المركزي الأوروبي التوقف عن شراء السندات،

إلا أن الأسواق المالية حريصة على أن يحافظ البنك المركزي الأوروبي على نهج الليونة في ما يتعلق بالتسهيل الكمي.

وعلقت نانيت هيكلير فايديرب، رئيسة قسم الأبحاث والاستراتيجيات الاستثمارية في مصرف «كريدي سويس العالمي» بالقول: «ستعتمد ردود أفعال المستثمرين حتماً على بقاء البرنامج بعيداً عن الحدود الزمنية الثابتة. وإذا ما ترك الباب مفتوحاً كما نتوقع، فإنه ينبغي على المستثمرين التصرف بإيجابية مع مكاسب السوق الصغير وعملة اليورو الأضعف».

وأشارت فايديرب إلى أنه في حال قرر البنك المركزي الأوروبي إغلاق الباب على المزيد من التدخلات اللاحقة فسيؤدي ذلك إلى تقوية اليورو، ويعقد محاولات البنك في تحقيق هدف التضخم، إلا أن علامات استفهام كثيرة تحيط بمدى التزام البنك المركزي الأوروبي بشراء المزيد من الأصول، إذ إنه بموجب البرنامج الحالي، قد يجاهد البنك لإيجاد ما يكفي من السندات لشرائها في حال احتاج لترفع مستوى المبيعات عن المعدلات الأخيرة التي أعلن عنها أخيراً.

ويشار إلى أن الانخفاض التدريجي على مدة تسعة أشهر بوتيرة 30 مليار يورو شهرياً قد يلزم البنك المركزي الأوروبي بإنفاق 270 مليار يورو، إلا أن المحللين يعتقدون أنه لا يوجد سوى 300 مليار يورو من الأصول المتوفرة للبنك لشرائها. ويندرج ضمن أحد الاحتمالات أن يتمكن البنك المركزي الأوروبي من مواصلة شراء ديون الشركات بالمعدلات الحالية وأن يشتري سندات حكومية أقل.

وقد شدد برائيت على أن ما يهم فعلياً بالنسبة لتعافي منطقة اليورو اقتصادياً ليس كمية الأصول التي يقوم البنك المركزي الأوروبي بشرائها كل شهر، أو ما يسمى التدفق، بل مجموع كمية السندات التي يتم شراؤها أو الأسهم.