قبل 20 عاماً من الآن أي قبل انتهاء حقبة الاتحاد السوفيتي السابق رسمياً في 26 يناير 1991 كان الحديث في روسيا الاشتراكية يتركز على استنزاف اقتصاد البلاد رغم موارده الطبيعية الهائلة في سباق التسلح مع الغرب وعواقب التدخل العسكري في أفغانستان طوال 10 سنوات الذي كلف الدولة السوفيتية 100 مليار دولار، وتقديم مساعدات أممية سخية لاعتبارات إيديولوجية بحتة في أسلحة وأعتدة وموارد طاقة بمئات مليارات الدولارات لبلدان اشتراكية أو تقدمية نامية، وتقلص حاد في إيرادات الاتحاد السوفيتي من مبيعات النفط والغاز بعد هبوط أسعارها الشديد في النصف الثاني من الثمانينات.
ومن اللافت الآن أن دخول روسيا اقتصاد السوق الرأسمالية اعتبارا من العام 1992 من خلال عمليات خصخصة ممتلكات الدولة وإطلاق حرية الأسعار وإنشاء قطاع خاص كبير يسيطر على نصف بنيانها الاقتصادي جرى بشكل فوضوي غير متناسق ما أدى إلى تمركز ثروتها المالية بنسبة 70% في موسكو العاصمة التي اتخذتها كبريات الشركات والبنوك الروسية مقرا لها، وخصوصا في زمن عمدتها السابق يوري لوجكوف المقال، فيما عانت بقية مناطق البلاد من شح الموارد المالية التنموية الضرورية. كما أسفرت ولادة الطبقة البرجوازية عن طريق نهب الأملاك العامة سابقا عن تدني مستويات معيشة أغلبية سكان البلاد وبروز تباينات صارخة بين الغني والفقير في روسيا، الأمر الذي أهمله الرئيس الروسي الديمقراطي بوريس يلتسين خلال سنوات حكمه التسع (1991-1999) الحاسمة بالنسبة لاعتماد نمط تطور البلاد. يكفي القول إن الفرق في مداخيل القطط السمان الجدد وعامة الشعب بلغ 50 ضعفا، وهي ظاهرة اجتماعية ليس لها وجود في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة الأخرى. ولا تزال روسيا شبيهة بالدولة السوفيتية العظمى في كثير من نواحيها، ولاسيما في كبرها، حيث ورثت من الاتحاد السوفيتي 17 مليون كيلومتر مربع من أراضيه الشاسعة البالغ مساحتها 22.4 مليون كيلومتر مربع، وكذلك 75% من حجم موارده الطبيعية. ويعيش في روسيا اليوم 142 مليون نسمة ما يشكل 51% من إجمالي عدد سكان الاتحاد السوفيتي السابق. غير أن التجربة السوفيتية في مجال السياسة القومية من المستحيل نقلها تلقائيا إلى التربة الروسية الحديثة، في رأي خبراء وباحثين. ذلك أن السياسة القومية السوفيتية كانت جزءا لا يتجزأ من النهج الاشتراكي القائم على مبادئ سيطرة الملكية العامة في اقتصاد البلاد وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الشعب على هذا الأساس، ولو على مستويات متواضعة، نسبيا. وكان جميع المواطنين عمالا وفلاحين ومثقفين وموظفين يعملون في القطاعين العام والتعاوني وفق نظام رسمي موحد للرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية والإعانات الاجتماعية ما عدا بعض الفوارق البسيطة لاعتبارات جغرافية أو مناخية بعيدا عن معادلة الغني والفقير.
