كثر الحديث في الآونة الأخيرة، عن مستقبل الصناعة الإسلامية المالية وما هي أوجه التطور التي يلزم اعتمادها لتجنيب هذه الصناعة توابع الأزمات المالية المتلاحقة التي عصفت بالاقتصاديات العالمية. ابتداء بأزمة الديون العقارية والركود الاقتصادي في الولايات المتحدة، فأزمة الثقة المالية الأوروبية وأكثرها تأثيرا أزمة ديون اليونان السيادية التي أطاحت في الأسواق المالية وأدت إلى تفاقم أزمة الثقة بين المستثمرين مما أثار التكهن عن احتمال حدوث أزمة ديون سيادية جديدة في دول المحور أو دول الجوار الأوروبي، التي تواجه نفس الظروف من تراجع قي النمو الاقتصادي وارتفاع نسب الدين السيادي.

لا شك أن الناظر في خلفية ومحتوى هذه الأزمات ليجد أن العامل المؤثر والمشترك، أي بين الأزمات المالية المتعاقبة، إن هذه الدول المصدرة لسندات (الديون السيادية) أو البنوك مالكة السندات أو الأصول المتعثرة(ومنها الديون العقارية) لم تلتزم بمبادئ الحصافة المالية (أي ارتفاع نسب الدين والإقراض)، كما أنها لم تلتزم بمستويات السيولة الآمنة ومراعاة حسن إدارة المخاطر. مما أدى إلى تراجع رغبة وثقة المستثمرين بشكل واسع مما احدث أزمة ثقة مالية في أسواق المال الذي بدوره استدعى التدخل الحكومي( من البنوك المركزية و دوائر الخزينة) من أجل ضبط نوع من التوازن بالنظر لشح الطلب وتقاعس المستثمرين.

على النظير من ذلك، فإن إدارة الدين في مستويات مقبولة كما أن نجاعة الأصول المستهدفة للاستثمار يعتبر من أهم ثوابت الحوكمة المالية الإسلامية. فالضوابط المالية الشرعية التي اعتمدتها المذاهب الأربعة(ممثلة غالبية التشريع في دول منظمة المؤتمر الإسلامي) تدعو إلى الالتزام في تجنب الاستدانة إلى مستويات مرتفعة أو غير مقبولة، بحيث ترتفع معها مخاطر إدارة الدين وسداده مما يؤدي إلى الإضرار في مصالح المساهمين و/أو المستثمرين مما ينعكس سلبا على المجتمع والأفراد. وهذا التوجه في الحوكمة المالية يتوافق مع الحديث النبوي ( لا ضرر ولا ضرار ).

فالعديد(وليس الكل) من المنشآت والمؤسسات المالية التي تدير أعمالها حسب المعايير الشرعية من حيث حسن إدارة الأصول و مستويات الدين ، استطاعت أن تنجو من ويلات وتبعات الأزمة المالية العالمية. ولا شك أن هذا يوعز بشكل كبير لمتانة ونزاهة أنظمة الحوكمة المالية الإسلامي. ومع ذلك، فان هذه القدرة على معالجة المخاطر الأولية في جانب الأصول والمطلوبات لا تشفع لكثير من المؤسسات المتطابقة مع الشريعة الإسلامية من حيث وفرة الفرص المتاحة التي تساعد على حسن إدارة الميزانية العمومية. فالأصول المسالة للاستثمار( ومنها ما هو ذا مدى قصير) ما زال شحيح، مما يعكس عدم العمق الكافي في السوق الأولي.