يعتبر العالم المالي وسطاً صعباً بالنسبة لكتاب روايات الإثارة والتشويق. من الناحية النظرية، كل هذه الثروة والصراع الخوف والجشع الذي يحرك قاعات التداول في وول ستريت وفي الحي المالي في لندن يفترض فيه أن يكون موضوعاً دسماً للدراما. من الناحية العملية فإن الصراع اليومي في سبيل السيطرة على الأسواق العالمية ألهم كثيراً من الروايات الفاشلة والمملة.
المشكلة هي أن معظم عمل المصرفيين الاستثماريين، على المستوى الإنساني، مثير وممتع مثل عمل المحاسبين. المكافأة هي المال والمخاطرة هي خسارة المال، وهذه أمور لا تعطي مادة للعواطف القوية والجياشة مقارنة بما يقوم به عملاء الشرطة والتحريات والجواسيس ومحامو الدفاع. الجشع أمر جيد لكنه في الوقت نفسه مبتذل ولا طرافة فيه. لكن هذا لم يفتَّ في عضد المؤلف روبرت هاريس، الذي كتب سلسلة من أعمال الدراما القوية الممتعة عقلياً، والتي تدور أحداثها على خلفية واقعية من رواية بعنوان "أرض الآباء" (1992) صور فيها بصورة خيالية مدينة برلين خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى بليتشلي بارك (مقر مدرسة الشيفرة التابعة للاستخبارات العسكرية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية) في رواية إنجيما (1995 (وهو اسم الآلة التي كان يستخدمها الألمان لإرسال الرسائل المشفرة قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها)، وحياة الخطيب والسياسي الروماني شيشرون في ثلاثيته التي بدأت برواية إمبيريوم 2006) (السلطة الإدارية العليا في الدستور الروماني)، وتوني بلير وزوجته في رواية الكاتب الخفي (2007) وأخيراً دخل ليجرب حظه في هذا المجال.
حينما تجتمع مجموعة من حكام القلة، ورجال الأعمال الصينيين، وشركات التأمين على الحياة لسماع أحدث برمجية لهوفمان، يبدو الأمر كأنه تجمع للجنة إدارة الموت للجواسيس. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس خيالاً من أفلام جيمس بوند، وإنما انعكاس لواقع التمويل العالمي هذه الشخصيات الفاسدة والجشعة هي بالضبط من نوع الوسطاء الذين خدعهم بيرني مادوف.
يستمتع كواري بلعبة الإغراء والحصول على المال، بينما يفكر تحري جنيف الذي تم تعيينه للقضية، بكآبة بأنه لا يستطيع العيش على الجانب السويسري من الحدود بسبب وجود العديد من حكام القلة، والمحامين الذين يلجأون إلى الأساليب الملتوية الأشخاص الذين يربحون من أعجوبة هوفمان؟
مع ذلك، لا تجعله هذه الأسئلة يحصل على أكثر من منصب الرئيس المتغطرس لإدارة المخاطر، والذي يلاحظ أن الأمور تخرج عن نطاق السيطرة، ويستهزئ كواري بآلامه. وبناءً عليه، فإن هذه الشخصيات غير المحتملة، ومع ذلك منطقية تماماً، يتم حملها إلى نهايتها المخزية. وأعتقد شخصياً أن عدداً قليلاً للغاية من قراء فاينانشيال تايمز، لن يتذوقوا مؤشر الخوف فحسب، وإنما يجفلون من المعرفة كذلك.
