الأزمة التي تواجه منطقة اليورو لا تتعلق فقط بتكاليف العمل والأسعار وإنما بالثقافة. ويقع العبء بصورة رئيسية على أوروبا الجنوبية، حيث فروقات السندات السيادية (قياسا إلى السندات الألمانية) تراوح بين 370 نقطة أساس (إيطاليا) و1960 نقطة أساس (اليونان). ولدى بلدان شمالي منطقة اليورو فروقات صغيرة لدى المقارنة بألمانيا، إذ تراوح بين 40 و80 نقطة أساس بالنسبة لهولندا، والنمسا، وفنلندا، وفرنسا. وبالتالي هناك منطقتان مختلفتان ضمن اليورو إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب.
كان ترتيب فروقات مخاطر الائتمان عبر منطقة اليورو عام 2010 قريب الشبه بترتيب مستوى تكاليف وحدة العمل (بالمقارنة بما هي عليه في ألمانيا)، الأمر الذي يفيد بأن تكاليف العمل الأعلى والأسعار جعلا أوروبا الجنوبية أقل تنافسية، وبالتالي أكثر عرضة لمخاطر الائتمان.
أتذكر في السنوات الأولى لمنطقة اليورو كانت هناك فكرة عامة في الأسواق مفادها أن اليونانيين كانوا يتصرفون كالألمان. لكن لم يكن هناك دليل كاف على أن البلدان الجنوبية غيرت من سلوكها بصورة رئيسية حينما كانت تعد نفسها لاستخدام اليورو، وهو سلوك أدى بمرور الزمن إلى تدني معدل أسعار العملات مقابل المارك الألماني. وخلال الفترة من عام 1990 إلى نهاية عام 1998 تصاعدت تكلفة وحدة العمل والأسعار في بلدان جنوبي أوروبا المتبنية لفكرة اليورو بوتيرة أسرع مما حدث في الشمال. وفي السنوات التالية لإطلاق العملة الموحدة لم تتباطأ السرعة. والحقيقة هي أن الاتجاه الأساسي توقف فقط بسبب الأزمة المالية عام 2008. ومنذ ذلك الحين كانت هناك إشارات إلى استقرار مستوى السعر في الشمال وفي الجنوب.
تميزت بلدان شمالي أوروبا تاريخياً بمعدلات ادخار عالية وتضخم متدن، وهذه أدوات قياس ثقافة تركز على الاستثمار في الأجل الطويل، بدلاً من الاستهلاك الفوري. وعلى النقيض من ذلك كانت معدلات الادخار السلبي الاستهلاك المتجاوز للحدود سمة مشتركة لليونان والبرتغال منذ عام 2003.
ويظل هناك سؤال حول ما إذا كان معظم بلدان الجنوب، أو كلها، سيتبنى طوعاً حكمة الشمال. إن مستقبل اليورو فيما يتجاوز مجموعة مختارة من بلدان الشمال ذات الثقافة المتشابهة، سيعتمد على قدرة جميع بلدان منطقة اليورو على اتباع هذا النهج. ويبدو من المؤكد أن ضبط السلوك الضال في منطقة بحاجة إلى أكثر من ميثاق فاشل للاستقرار والنمو، إذا أريد للعملة الموحدة أن تسود في نهاية المطاف. وربما لا يقل ذلك عن منطقة يورو موحدة سياسيا، أو أوروبا موحدة سياسياً، بحيث ينظر إليها في النهاية باعتبارها وسيلة وحيدة لاعتناق العملة الموحدة القيّمة.
