الدَّين هو المرض، والنمو هو الدواء الشافي، لكن مع تعثر النمو يظل وضع البلدان وأسواقها المالية معلقاً لم يُفصل فيه بعد.
شرح الأستاذان كينيث روجوف وكارمن راينهارت الخطوط العريضة لما يحدث حين تضع البلدان على عاتقها مطلوبات لا يستطيع النمو المستقبلي سدادها بصورة مريحة.
وكانت نسبة دين إلى ناتج محلي إجمالي عند 90 في المائة تمثل بالنسبة لهما خط ماجينو الذي تبدأ بعده آليات الرفع المالي العمل بصورة عكسية، فتؤدي إلى إبطاء النمو بدلاً من تمكينه، وتشجع اتخاذ قدر من المخاطر فوق الحد في مقابل المكاسب المحتملة.
والبلدان المتقدمة ككل تقترب الآن من هذه النقطة المئوية الأساسية. كذلك يبين تحليل روجوف وارينهارت أنه أثناء سير البلدان باتجاه هذه النقطة يتباطأ النمو الاقتصادي بنسبة 1 في المائة تقريباً. وكأنما تتحرك البلدان المتقدمة الآن وفق إشارة واحدة، فهي تحقق الآن نمواً اقتصادياً بنسبة 2 في المائة بدلاً من 3 في المائة.
أطلقنا على هذا الوضع في بيمكو تعبير الوضع الطبيعي الجديد عام 2009، أي قبل وقت لا بأس به من نشر كتاب الأمر مختلف هذه المرة (من تأليف روجوف وراينهارت).
وكان ذلك تقييماً كمياً من جانبنا بدلاً من كونه أنموذجاً ثبتت صحته من الناحية التاريخية، استناداً إلى الآثار التي افترضنا حدوثها بسبب تخفيف الرفع المالي وإعادة التنظيم، وهي الآثار التي لا بد لها أن تسم مستقبل ما بعد انهيار بنك ليمان. وحتى الآن ثبت أن التوقعات كانت صحيحة.
لكن ما سيحدث في المرحلة المقبلة هو رحلة مضطربة ستكون رهناً للظروف، على حد تعبير زميلي محمد العريان، إذ يتحرك النمو إلى الأعلى قليلاً ومن ثم يهبط بشكل مخيف إلى ما دون هذه النسبة الطبيعية الجديدة.
لو كانت البلدان المتقدمة تحقق نمواً بنسبة 5 في المائة، مثل البلدان النامية، فستكون المخاطر أقل بكثير مما هي عليه الآن. لكن حين تكون النسبة 2 في المائة، فإن فكرة سرعة التعطل توحي بالعجز عن التصرف وفق ما ينبغي أن يكون عليه الأنموذج الرأسمالي التاريخي. وستفقد الشركات الحوافز للاستثمار، لأن نمو الأرباح سيصاب بالجمود، ولا يُعاد توظيف العمال العاطلين عن العمل، ويكون الأنموذج الدوري المعياري لعودة النشاط الموسمية عرضة للخطر.
هذه الرياح المباشرة الهيكلية تعمل بدورها على تشويش وبلبلة صانعي السياسة. وستطبق البنوك المركزية جرعة من السيولة وأسعار الفائدة الحقيقية بالمعدلات السلبية، لكنها ستفشل في تحفيز الاستثمار، في حين أن السلطات المالية العامة والأحزاب السياسية تتعثر من انتخابات إلى أخرى، بحيث توصي بموازنة الميزانيات في سنة ثم بصفقات التحفيز في سنة أخرى.
