منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحاجة إلى المزيد من المنح الدراسية والمؤسسية لطلبة الجامعات والباحثين، بالإضافة إلى فترات التدريب الإلزامية في الوظائف والمهن المتنوعة من أجل تأهيل الطلبة والخريجين على حد سواء لتنمية خبراتهم العملية ونظرتهم تجاه أخلاقيات العمل. كما أن هناك حاجة للمزيد من الشراكات التعليمية مع الشركات والأعمال ابتداء من المرحلة المدرسية ووصولاً إلى المراحل المهنية المختلفة.

 وقد نجح هذا النهج في شركة رولز-رويس، والتي تنظّم برنامجاً للتدريب المهني يتمتع بنسبة استبقاء للمشاركين تبلغ ٩٨ في المائة، مع مواصلة ٩٠ في المائة من المتدربين الحصول على المؤهلات وحصول نصفهم على الشهادات الجامعية. كما أن هنالك العديد من الأمثلة الناجحة في دول مثل فرنسا، والتي طالما اعتمدت على نظام "استاج" الخاص بها لمرحلة التدريب المهني.

وحقيقة الأمر هي أن دول المنطقة تمتلك قروناً من الخبرة في التدريب المهني من خلال صناعاتها وحرفها التقليدية، ولعل العودة إلى هذا التقليد العريق قد تسهم بشكل كبير في تخفيف وطأة نقص المهارات، وهو أمر بدأ بالحصول فعلاً في دول مثل تركيا والهند وباكستان. أما في أستراليا فيوظف برنامجها للتدريب المهني ما يقارب ٤٠٠ ألف متدرب في أكثر من ٥٠٠ مهنة، بعضهم لا يتجاوز عمره ١٤ عاماً.

وفي ألمانيا تجد من شبه المستحيل الحصول على وظيفة دون إتمام فترة التدريب المهني، وهنالك أنظمة تأسست منذ القِدم في دول مثل النمسا وحتى المملكة المتحدة، والتي أعادت العمل ببرامج التدريب المهني في تسعينيات القرن الماضي بعد أن تخلّت عنها إبان الثورة الاقتصادية في القرن التاسع عشر.

وتمثل مهنة الهندسة خير مثال على إمكانية نجاح هذا التوجه في تأهيل الشباب، إذ ينبغي إيجاد وتدريب مهندسي الغد وبناة المستقبل في سنّ مبكرة، وهنا تأتي أهمية المناهج العملية والتفاعلية في إشعال الحماسة عند الطلبة، حتى يستطيعوا تفهّم القطاعات المختلفة عند اختيارهم مهنة تناسبهم، أي أنه من المهم أن نعود إلى بدايات المسيرة التعليمية لإطلاق المبادرات التي تثير اهتمام الطلبة بمختلف المهن والحرف.

وكم يسعدنا اليوم أن نرى العديد من شركات القطاع الخاص في المنطقة تلتزم بمسؤولياتها تجاه دعم المجتمع، مما سيكون له عظيم الأثر في تأهيل الكوادر المحلية في عدد أكبر من المهارات التي تلائم احتياجات هذه المنطقة سريعة النمو، والتي تحتاج بدورها إلى مساهمات جميع المواهب المتوفرة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.