ندرك جيدا أن التعريف الدقيق للتنمية المستدامة التي تشمل الجميع لا يمكن أن ينحصر في النواحي الاقتصادية بمفهومها الضيق. فالقضايا التي كنا نظنها في السابق مجرد قضايا سياسية أثبت لنا الواقع أنها قضايا اقتصادية بامتياز. فقبل عشرين عاماً، لم يكن البنك الدولي يتحدث عن "الفساد"، لكن مكافحة الفساد أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من مشاريع البنك الدولي وبرامجه. والبلدان المساهمة تعلم جيداً أن الفساد عبء ثقيل على اقتصاداتها، وله تكلفة باهظة على الفقراء، ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص.

وقبل ثمانية عشر عاماً، لم يتحدث البنك الدولي عن قضايا المساواة بين الجنسين سوى في النزر اليسير. أما اليوم، فإننا نعلم أن المساواة بين الجنسين هي اقتصاد حصيف قوامه حسن الاستفادة من الموارد البشرية؛ فالبلدان التي ترتفع فيها المساواة بين الجنسين عادة ما تنخفض فيها معدلات الفقر. ولم نبدأ في الحديث عن الشفافية إلا قبل عشر سنوات فقط. واليوم، فإن البنك الدولي هو المؤسسة متعددة الأطراف الوحيدة التي لديها سياسة واسعة النطاق لحرية تداول المعلومات؛ فقد فتحنا أبواب قواعد بياناتنا وبحوثنا للجمهور، ونشرنا أكثر من سبعة آلاف مجموعة بيانات. وسنعمل على تشجيع الحكومات على نشر المعلومات، وسن قوانين تنظيم حرية تداول المعلومات، والإفصاح عن إجراءات إعداد موازناتها وعمليات التوريدات والمشتريات أمام الجمهور، واستحداث وظائف مراجعة مستقلة للحسابات، ورعاية إصلاحات أجهزة العدالة.

لقد أدركنا أهمية الشفافية في أنظمة التوريدات والمشتريات؛ فنظم إدارة التوريدات في أي بلد يمكنها المساعدة في مكافحة الفساد، وخلق المنافسة، واختصار النفقات، مما يؤدي بدوره إلى تحسين الخدمات العامة. يجب على الجميع أن يضعوا في عين الإعتبار منظور أصحاب المقاولات متناهية الصغر أيضا. فأحيانا ينحصر ما يريده هؤلاء في حرية السعي في تحصيل الرزق والشعور باحترام كرامتهم وأحلامهم البسيطة. وفي مقدور زملائنا في مؤسسة التمويل الدولية أن يساعدوا بتقديم المشورة بشأن الحد من الإجراءات الروتينية المعيقة لأصحاب الأعمال الصغيرة، إلى جانب المساعدة في بناء قدرات مؤسسات الوساطة المالية من أجل توفير القروض اللازمة للمقاولات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وللمؤسسات أهمية كبيرة، وكذلك الحال بالنسبة للمواطنين. فالمجتمع المدني القوي يمكنه أن يراقب إجراءات إعداد الموازنات، وأن يطلب الحصول على المعلومات وينشرها، وأن ينتقد الأجهزة الإدارية الحكومية المعوقة، وأن يحمي الملكية الخاصة، وأن يتابع تقديم الخدمات. ويمكن للمجتمع المدني أن يصر على تفعيل احترام حقوق المواطنين، ويمكنه أن يضطلع بمسؤولياته الأخرى أيضاً. فالجمهور الذي يتمتع بأسباب التمكين والقوة هو الأساس لمجتمع أكثر قوة، وحكومة أكثر فاعلية، ودولة أكثر نجاحاً.