عندما أمعن التفكير في أحداث العام الماضي، لا أجد سوى درس أساسي واحد استخلصه من هذه الأحداث، ألا وهو ضرورة الإبقاء على التعاون على مستوى السياسات الاقتصادية الذي أفاد منه العالم بدرجة كبيرة أثناء الأزمة فقد كان هذا التعاون حقاً من أهم الآثار التي خلفتها الأزمة، فقد تكاتفت بلدان العالم ربما لأول مرة في التاريخ بروح التضامن لمواجهة التحديات المشتركة بحلول مشتركة.
وهاهو الاقتصاد العالمي يواصل التعافي، على الرغم من أن الأزمة لم تنحسر تماماً حتى الآن، وبينما تواصل بعض البلدان نموها القوي، تشهد بلدان أخرى ارتداداً إيجابياً أكثر ضعفاً، كما أن المخاطر المحيطة بالنمو الاقتصادي العالمي عاودت ارتفاعها في الشهور الأخيرة، وفي هذا العالم الذي تحكمه العولمة، فإن الأحداث التي تبدأ في بلد واحد يمكن ان تنشأ عنها تداعيات تمتد إلى أبعد ما يكون عن هذا البلد. والتحديات القادمة كبيرة ـ لاسيما من حيث تنشيط المساعي لتحقيق نمو متوازن وقابل للاستمرار وخلق فرص العمل. وينبغي الآن أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على وحدة الهدف التي استرشد بها قادة العالم أثناء الأزمة. والتعاون بطبيعة الحال لا يعني الاتساق، ويتعين على السياسات المختلفة أن تصدر استجابات ملائمة لمواجهة التحديات المختلفة.
وقد أيد صندوق النقد الدولي التعاون على مستوى السياسات خلال هذه الأزمة، مواصلاً سعيه للتحرك الفعال بغية مواجهة التحديات الصعبة التي تواجهها بلداننا الأعضاء. فقد تعهدنا بمنح قروض بقيمة تجاوزت 200 مليار دولار، وتم ضخ مبلغ إضافي يوازي 283 مليار دولار، بوحدات حقوق السحب الخاصة في النظام، ومن خلال «خط الائتمان المرن» المنشأ حديثاً وفرنا شبكة أمان قوية للبلدان التي لديها سجلات أداء نموذجية. ومنذ بداية الأزمة في عام 2008، زادت تعهداتنا بالإقراض الميسر إلى البلدان منخفضة الدخل إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة. مع تخفيض أسعار الفائدة إلى الصفر حتى نهاية 2012، وقد أكدنا ضرورة شعور البلدان بملكية برامج الإقراض من الصندوق وذلك بجعلها أكثر مرونة، وتبسيط الشروط على مستوى السياسات، والاستجابة لاحتياجات الفئات الأكثر تعرضاً للخطر في بلدان الأزمة.
وفي اعتقادي أن جهودنا ساهمت في تخفيف وطأة الأزمة. ففي البلدان المرتبطة ببرامج مع الصندوق، كانت خسائر الناتج أصغر نسبياً مما كانت عليه في الأزمات السابقة، وأمكن تلافي أشكال التصحيح المؤلمة المستخدمة في الماضي ـ أي التحركات الكبيرة في أسعار الصرف والفائدة وقد تضاءلت فروق أسعار الفائدة في البلدان التي لديها اتفاقات مع الصندوق في سياق «خط الائتمان المرن». وفي معظم الحالات بما في ذلك في البلدان منخفضة الدخل. تمكنت سياسة المالية العامة من تخفيف حدة الهبوط الاقتصادي.