يواجه الزعماء الآسيويون تضخماً متسارع الخطى، وعملات قوية، وتدفقات رأسمالية غير مرغوب فيها. لكنهم خلف هذه الصورة يواجهون خياراً أعمق بكثير. فإما أن يتبعوا الرأسمالية التي يغذيها الاستهلاك، التي دفعت النمو العالمي في العقود الأخيرة، أو أن يأخذوا نفساً عميقاً ويغيروا الاتجاه، ويجدوا مساراً مستداماً جديداً.
في فترة التشدد الذي ظل يترنح حتى الأزمة المالية، لم تكن لدى آسيا خيارات. وبسبب تبعية آسيا الثقافية للغرب، فقد سارت في ركب الإجماع على توسيع حرية الأسواق وتقليص تدخل الدولة.
لكن إذا استمر هذا الأمر، فإن المنطقة ستواجه مستقبلاً كئيباً يتصف بنمو غير متوازن قائم على الصادرات، وعجوزات على صعيد الغذاء والمياه، وتدهورا بيئيا على نطاق واسع.
في الظاهر يبدو كأن معظم البلدان الآسيوية ما زالت تقلد هذا الأنموذج، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. وتصحو الحكومات الآن على تداعيات اجتماعية وإقليمية تنعكس على نموها.
والمعضلة الآن هي ما الذي يجب القيام به إزاء ذلك مع الاحتفاظ بالسلطة، سواء كان في الهند الديمقراطية، أو في الصين الخاضعة لحكم الحزب الواحد.
هناك بدايات كذلك لبعض التجارب على نماذج مختلفة للرأسمالية. ونجد في الصين مرة أخرى أن هناك تطويراً لخطط خاصة ببناء شبكة جديدة من المدن والبلدات التي تخدمها طرق، وسكك حديدية، ومدارس، وأنظمة ري أفضل
. وبطبيعة الحال، فإن خطة متطرفة لوضع الأسعار الصحيحة للمواد في مركز صنع السياسات تنطوي على تحديات سياسية كبيرة. إن هذه الإجراءات من شأنها أن تجعل ملكية السيارات، والسفر جواً، واستهلاك اللحوم أعلى تكلفة، عبر الكشف عن تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية
. لكن إجراءات من هذا النوع ستعود فعلياً بالفائدة على أغلبية المواطنين الفقراء، وهم أولئك المزارعون وسكان الأرياف الذين يعدون بالمليارات، والمحرومون إلى حد كبير حالياً. وهكذا، سوف تضفي مزيداً من الشرعية على الحكومات في المدى الطويل.
لكن في الوقت نفسه، هذه الإجراءات تزعج كثيراً من الناس ـــ ليس فقط الشركات والبلدان التي لها مصالح خفية في الأنموذج السائد حالياً، لكن أيضاً مليارات الآسيويين الذين قيل لهم إن بإمكانهم أن يرنوا بدورهم لأسلوب حياة غربي. لكن الخيار يظل صارخاً
. إذا تصرفت آسيا الآن وقبلت بالقيود التي تواجهها على صعيد الموارد، فسيكون مستقبلها مشرقاً. لكن إذا لم يتم تبني أي بديل بحلول عام 2030، سوف تقول آسيا وداعاً ليس فقط لهدف تحقيق الرخاء للجميع، ولكن أيضاً لتحقيق أي شكل من أشكال الرخاء.
