تلعب وسائل الاتصال الحديثة وعلى رأسها الشبكة العنكبوتية العالمية (الانترنت) دوراً في تغيير أسلوب حياة مئات الملايين حول العالم، ويبدو أنها تحولت من شبكة عنكبوتية للاتصال إلى غول مرعب في منطقتنا العربية، بسبب اعتماد جيل التغيير من الشباب عليها كوسيلة أولى للتواصل والتنسيق وتبادل المعلومات عبر برامج الدردشة المجانية ومواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت.
ما يجعلنا وفي قراءة لأسباب طفرة انتشار الانترنت في عالمنا العربي، نرى أن تطور حلول الانترنت النقالة أو اللاسلكية هي السبب الرئيسي، حتى في الدول الفقيرة، فتوفير الانترنت لم يعد بحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية، بل تكفيه بضعة آلاف من الدولارات لتغطي مساحة جغرافية واسعة. وهو ما خلق حالة من العدالة الاجتماعية وحرية التعبير والتواصل على صفحات العالم الافتراضي، لم يكن ليحلم بها الشباب أن تتحقق ولو بعد مليون حكومة ضوئية من الآن.
واستغرب ممن يستغربون سر قوة هذه الكيانات الافتراضية على الشباب، وفشلهم في احتوائهم والتواصل معهم، فهم لا يدركون أن مساحة الحرية المتاحة في الواقع الافتراضي شكلت جيلاً كاملاً من الأفكار والأحلام والتطلعات والابتكارات من الصعب على أنظمتنا التعليمية والأسرية والسياسية اللحاق به، أو الالتفاف عليه، فقد تحول الواقع الافتراضي من مرحلة البحث عن الذات في شاشات التعارف والمعاكسة إلى مرحلة فرض الذات على الأرض كبديل لسنوات من الضياع والقمع الفكري والاجتماعي والطبقي، وهو ما عبرت عنه أحداث المنطقة منذ مطلع العام الجاري بعنف كشف بشكل أو آخر حجم الفجوات بين الأجيال العربية، وانعدام قنوات التواصل فيما بينها وعدم اعتراف بعضها ببعض.
وأرى أن العديد من المقاربات ستدرس لاحقاً في جامعاتنا عن دور التقنية في حركة التغيير الاجتماعي، وضخامة دور هذا (الغول الالكتروني) في تشكيل الوعي الجماعي للأجيال المقبلة، لاسيما أن الإحصاءات تشير إلى أن مليار شخص سيعتمدون على الانترنت النقالة بحلول العام 2015 وأن تعداد الذين سيستخدمون الانترنت السلكية سيبلغ 1,4 شخص. أي ان إجمالي عدد مستخدمي الانترنت النقالة نحو 2,4 مليار نسمة، أي أكثر من ثلث تعداد سكان العالم في ذلك العام. إذ ستكشف المرحلة المقبلة أنماط استخدام جديدة من قبل المستخدمين، بأجهزة ومفاهيم مختلفة لدعم الانترنت، وهو سيغير في مجمله تجربة الانترنت النقالة إلى الأبد. ومن المؤكد أن الأجهزة الجديدة ستنطوي على فرص جديدة، مثلما كان الحال عند بداية معرفتنا بالحواسيب النقالة، وحواسيب الانترنت، والهواتف الذكية، ومؤخراً مع الحواسيب اللوحية الآخذة في الانتشار.
ولو نظرنا إلى نمو الحواسيب الشـــــــخصية لرأينا أن الحافز الأكبر لامتلاكها خلال الأعوام الماضية تمثل في تصــــفح الانترنت، أي حاجة الأفراد حول العالم للإبحار في عالم الانترنت. وفي قناعتنا، أخذت تزول تدريجياً المــــــــسافة الفاصلة بــــــين الحاجة إلى الانترنت ســــــــابقاً والحـــــــاجة إلى الانترنت النقالة غير المقيَّدة بزمان أو مكان، وبات الملايين حول العالم اليوم بحاجة إلى أجهزة نقالة صغيرة توفر لها خدمة الانترنت.