يستدعي تجاوز الأزمة المالية العالمية من قبل اقتصادات دول المنطقة، مراجعة شاملة لاستراتيجيات التنمية والتحول نحو أنماط جديدة من التفكير والتخطيط الاستراتيجي المستدام مما يساعد على تأسيس مجتمع اقتصاد قائم على المعرفة وثقافة الابتكار. تعتبر إدارة المعرفة وتفعيل وتمكين المواهب من المتطلبات الملحة لهذا التحول الاستراتيجي.
وأسهمت التطورات الدولية الأخيرة وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية العالمية وما أعقبها من تدابير تقشفية للحد من آثار تلك التطورات في زيادة التركيز على أهمية التنمية المعرفية المستدامة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.
وتمثل الاقتصادات الخليجية وسياساتها المرنة نسبياً، نقطة مناسبة لقيادة مرحلة التعافي والانتعاش على الصعيدين الإقليمي والعالمي، لا سيما في دول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر التي تظهر رغبة قوية في النمو والتنويع الاقتصادي، حيث من المتوقع أن يتعدى الناتج المحلي في كل من السعودية والإمارات إلى 1,8 تريليون، و1 تريليون درهم على التوالي في 2010. ويساهم هذا النمو في إيجاد فرص قوية أمام المجتمعات المحلية والشركات، ويستوجب تعزيز تلك الفرص وضع سياسات وخطط مستدامة للاستفادة من عناصر المعرفة المتوفرة والإدارة الناجحة لها. ولمواصلة هذا التوجه ينبغي على دول المنطقة أن تهتم ليس فقط بتنمية أو استيراد مصادر أو عناصر المعرفة والخبرة المحلية والوافدة ولكن أيضاً توفير آليات جديدة وبيئة مناسبة لإدارة هذه الموارد.
ومما يدعو إلى التفاؤل، هو وجود العدد المتنامي من الخريجين الذين يملكون المؤهلات العلمية المناسبة من أفضل المؤسسات التعليمية المحلية والأجنبية وبتخصصات مختلفة داخل دول مجلس التعاون الخليجي. ويعتبر هذا مؤشراً لا بأس به حول توفر رأس المال البشري وعدم ندرته، فضلاً عن تدفق اليد العاملة الأجنبية والشركات العالمية التي تشارك في إنشاء وتشغيل صناعات متعددة. ويعد الاستثمار في العنصر البشري أمراً حتمياً لا ملاذ منه بوجود تقديرات أن نصف سكان منطقة مجلس التعاون الخليجي هم دون الـ25 من العمر.
إلا أنه وفي الوقت ذاته، يعتري الخبراء في شؤون التنمية وواضعو السياسات بعض القلق إزاء النتائج البطيئة للاستثمار في التنمية البشرية وتحقيق النمو المستدام، حيث تظهر دراسات كثيرة ان الاستثمارات الكبيرة السابقة في تنمية رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب والبعثات الدراسية لم تسهم بشكل كبير في سد الفجوة المعرفية، وفي تقليل حدة الاعتماد على العمالة الوافدة، وفي زيادة معدلات الابتكار والإنتاجية للصناعات المحلية خصوصاً خارج نطاق الصناعات البتروكيمائية المعتمدة على النفط.
