يتميز الأفراد الذين يقيمون في دول أخرى غير أوطانهم الأصلية بمهارات إبداعية أكثر من غيرهم، وكلما ازدادت الفترات الزمنية التي يقضونها بعيداً عن موطنهم يزداد إبداعهم أكثر فأكثر لكن وفقاً لشروط وظروف معينة بحسب للدراسة التي أجرينها مؤخراً في كلية إنسياد لإدارة الأعمال بالتعاون مع آدام غالينسكي أستاذ الإدارة في جامعة نورث وسترن.
من الأرجح أن لا تشكل الزيارات القصيرة إلى بلدان أخرى حافزاً للابتكار إذ لم تجد الدراسة ارتباطاً ملموساً بين الابتكار والسفر إلى الخارج، حيث يجب أن تكون الإقامة لفترات محددة، لكن من الضروري بمكان أخذ ظروف الإقامة ونوعها بعين الاعتبار إلى جانب أهمية فترتها الزمنية، فلا تتوقف الأهمية على فترة الإقامة، بل على التحول النفسي الذي يتعرض له المرء خلال العيش في دول أجنبية.
يوفر الانخراط الكامل في التجارب المحلية للمجتمعات الأخرى فرصة للارتقاء بالمهارات الإبداعية للأفراد وبالأخص عبر تعلم لغة البلد الأصلية. وأظهرت الدراسة وجود علاقة متينة تربط تعلم اللغات الأجنبية مع الابتكار، فمن يتقنون أكثر من لغة يتميزون بآفاق إبداعية واسعة فاللغة جزء هام من عملية التأقلم مع الآخر. ومن جانب آخر رصدنا بعض الحالات التي يقيم خلالها المرء في بلد أجنبية لمدة تناهز السنة أو أكثر لكن نشاطاته اليومية والاجتماعية تنحصر مع أفراد مغتربين أيضاً وربما من نفس وطنه الأصلي وبذلك لا ينجح الفرد بالاستفادة من التجارب الإبداعية التي يمكن التعلم منها في حال التأقلم مع ثقافة البلد الذي يعيش فيه وتعلم اللغة المحلية والاطلاع على العادات والإرث الحضاري لهذا المجتمع.
وأظهرت دراسة أخرى أجريناها سابقاً أن الفرد يستطيع حتى بعد عودته إلى بلده الأصلي الاستفادة من التجارب التي اكتسبها خلال إقامته في الخارج والتي عادة ما تحفظ في الذاكرة ويمكن استعادتها.
ومن جهة أخرى ينبغي على تلك الشركات أن لا تدخر جهداً في إتاحة مهمات العمل الخارجية لموظفيها لأن هذه المهمات تمثل كما يبدو مفتاحاً للتطوير الفكري والذهني للأفراد. وبالإضافة إلى أهمية التأقلم مع المحيط الخارجي لأي مجتمع وذلك لا يتم إذا كانت الإقامة في الخارج محصورة في ساعات طويلة في العمل ومن ثم العودة إلى المنزل إذ تكمن فائدة الإقامة في مناطق أخرى من العالم في تحرر الفرد من إطار ثقافته الأصلية والتأقلم مع ثقافة المجتمع المضيف للاستفادة قدر الإمكان من هذه التجربة. وبطبيعة الحال فإن الإقامة في الخارج ليس الطريقة الوحيدة لتحفيز الابتكار لدى الأفراد إلا أنها أحد المحركات الرئيسية للإبداع.
