يظهر جلياً أن المؤسسات الحكومية الغربية الشهيرة بنفوذها وقوتها على الساحة المالية والمصرفية العالمية قد وافقت على مطالب المصرفيين وسماسرة الاستثمار، الذين وبغض النظر عن دورهم في نشوء الفوضى المالية التي شهدها العالم، استطاعوا أن يفرضوا إملاءاتهم حول شروط إعادة ترتيب ما يجري في القطاع المالي والمصرفي
خلال العامين الماضيين، شهد العالم عدة عمليات إنقاذ لمؤسسات مالية في الغرب. وفي الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، أثبتت تلك الإجراءات أن وجود مؤسسات أكبر من أن تفشل ما يعني أن الأموال المخصصة لدفع فواتير الإنقاذ ستأتي من جيوب دافعي الضرائب. وبموازاة ذلك، سيضطر دافعو الضرائب الأوروبيون إلى تسديد قيمة المساعدات المالية المقدمة لليونان وإيرلندا وغيرها من الدول المتعثرة مالياً لعدة سنوات قادمة، وقد تضطر أوروبا لتبني خطط إنقاذ مالية أكبر حجماً في المستقبل القريب.
تظهر تلك المعطيات أن الدول الغربية التي تعتمد مبدأ السوق الحرة ستبادر دائماً، عبر إجراءات إنقاذ حكومية، لمساعدة المؤسسات المقترضة التي تعرضت لمستويات مخاطر مرتفعة نتيجة سوء اختياراتها، فعلى سبيل المثال، تلقى بنك «غولدمان ساكس» الاستثماري مليارات الدولارات لتغطية عقود مبادلة العجز الائتماني التي تم شراؤها عندما أنقذت الحكومة الأميركية شركة التأمين العملاقة «AIG».
على الطرف المقابل، لجأت إمارة دبي إلى اعتماد مقاربة مختلفة كلياً لموضوع الديون تجسدت في المؤتمر الصحافي الذي عقد مؤخراً، حيث اجتمع مسؤولون حكوميون وممثلو الشركات المعنية مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، حيث اكدوا ثقتهم في اقتصاد الإمارة خاصة في ضوء انتعاش حركة السياحة والتجارة فيها، وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه المبادرات تظهر أن المؤسسات المالية تقدم شروطاً أفضل بكثير لإعادة هيكلة الديون عندما لا يكون هناك إنقاذ حكومي في الأفق. ففي حال عدم وجود آفاق لإنقاذ ممول من الحكومة أو تسييل لأصول الشركة المقترضة، فإن المؤسسات المالية المقرضة بإمكانها الصبر، إذ أنها تميل للتعاون بينما يقرر الدائنون الرئيسيون أياً من الأصول سيتم بيعها لتسديد مستحقاتهم.
إلى ذلك، فإن المؤسسات المرتبطة بالحكومة يمكن أن تكسب بعض الوقت عبر اعتماد هذه الإستراتيجية لتجنب بيع أصولها بأسعار بخسة، وبالطبع، فإن اللجنة التي تنظر في بيع بعض من أصول دبي لتمويل سداد الديون قد أشارت إلى أن البيع سيتم فقط في ظل وجود عوائد مناسبة، واستقطبت فرص شراء حصص في شركات دبي الرئيسية الأنظار وحولتها عن التحديات التي تواجهها عملية إعادة الهيكلة.
ولدى مقارنة إعادة هيكلة ديون شركات دبي مع حزمات الإنقاذ المالية في الغرب، يظهر جلياً أن المؤسسات الحكومية الغربية الشهيرة بنفوذها وقوتها على الساحة المالية والمصرفية العالمية قد وافقت على مطالب المصرفيين وسماسرة الاستثمار، الذين وبغض النظر عن دورهم في نشوء الفوضى المالية التي شهدها العالم، استطاعوا أن يفرضوا إملاءاتهم حول شروط إعادة ترتيب ما يجري في القطاع المالي والمصرفي، فعلى سبيل المثال، وبعد تلقي مليارات الدولارات من أموال الحكومة التي ضختها لإنقاذ شركة «AIG».، أعلن بنك جولدمان ساكس بطريقة استعراضية عن خططه لاستخدام جزء صغير من تلك الأموال لإعادة دفع القروض الحكومية التي تلقاها خلال ذروة الأزمة المالية العالمي، ليقوم بعدها بدفع مكافئات سخية لنفس التنفيذيين الذي ساهموا في حدوث الأزمة، إذاً يبدو أن تأمين التغطية الحكومية لخسائر البنوك والمؤسسات المالية الكبرى قد باتت جزءا فعالاً من الأداء الإداري في أميركا الرأسمالية الديمقراطية.
والمثير للاهتمام أنه، وعلى مستوى أميركا الشمالية والدول الأوروبية، لم يفقد إلا القليل من التنفيذيين وظائفهم بالرغم من دورهم في الوصول إلى ما يشهده العالم الآن من اضطراب مالي واقتصادي، وهي ذات الأزمة التي أدت إلى ما تعانيه الآن الشركات في دبي.
وعلى الطرف المقابل، فإن دبي، على غرار ما قامت به ماليزيا أثناء أزمة عملتها الوطنية عام 1997، رفضت الخضوع لإملاءات المصارف والمؤسسات المالية العالمية، وطبقت خططها الخاصة وفق ما تراه مناسباً، وأثبتت من خلال ذلك أن مطالب الجهات المالية والاستثمارية مفتوحة للمفاوضات وأنه يمكن الوصول إلى شروط مختلفة عندما لا تكون الأموال الحكومية جاهزة لإنقاذ البنوك.
وجهة النظر التي أود أن أطرحها هنا لا تكمن في تقديم تحليل متكامل عن كيفية تأثير ما يجري على قدرة دبي وشركاتها الرئيسية على المشاركة في الأسواق المالية العالمية، لكني أريد أن أقول للأصوات المتشائمة أنهم قد اتخذوا نفس الموقف السلبي إزاء ماليزيا عندما اتبعت إستراتيجيتها الخاصة للتعامل مع الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وفيما أراقب عمليات إعادة الهيكلة المشوهة التي تقوم بها الدول الغربية، أقترح عليهم أن يأخذوا وقفة تأمل لما يحصل هنا لاستخلاص بعض العبر من إستراتيجية (خذه أو أتركه) التي تنتهجها الشركات في دبي.
أستاذ ريادة الأعمال والشركات العائلية والمدير الأكاديمي لمقر كلية إنسياد لإدارة الأعمال في أبوظبي.