يشهد النظام الاقتصادي الدولي في الوقت الراهن تزايد التنافس بين الدول فيما يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق بهدف تصدير السلع إليها أو توريد الخدمات فيها. كما يشهد في نفس الوقت، تزايد حرص الدول المصدرة للرساميل على ضمان معاملة عادلة لاستثماراتها في الدول المستقبلة لها.

في ظل هذه العولمة سواء على مستوى المبادلات التجارية أو تدفقات الاستثمارات، تنامت الحاجة إلى ضرورة اعتماد سياسات اقتصادية وطنية توازن بين متطلب الانفتاح على المحيط الاقتصادي الدولي ومتطلب تأهيل النظام الاقتصادي المحلي للتنافس مع الأنظمة الاقتصادية الأجنبية.

وتتمثل إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق هذا التأهيل في إحلال المنافسة داخل السوق المحلي وذلك بواسطة اعتماد سياسة وقانون حول المنافسة يكون الهدف الأساسي منهما هو تحقيق فاعلية وتنافسية الاقتصاد الوطني ورفاهية المستهلك المحلي.

هذا وبعد النجاح في العودة إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي بعد تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، تستعد دولة الإمارات للانخراط مجددا في مشروعها الاقتصادي التنموي المتميز الذي يهدف إلى تحقيق اندماج كامل للاقتصاد الوطني في إطار الاقتصاد العالمي مع ضمان حصانة له من تداعيات التقلبات الاقتصادية الدولية. ويعد قانون المنافسة أحد المدخلات الأساسية لتحقيق هذه «العالمية» لكونه سوف يساهم في تحديث الاقتصاد الوطني وتمتينه وتخليصه من الممارسات المنافية للمنافسة التي تؤثر سلبا على مناعته وفعاليته. وهو بالذات ما أوصت به منظمة التجارة العالمية خلال المراجعة الأخيرة للسياسة التجارية للدولة التي تمت في شهر أبريل من سنة ‬2006.

وفي الإطار نفسه، يندرج اعتماد قانون للمنافسة ضمن الأهداف الاستراتيجية للحكومة الاتحادية من خلال سن وتحديث التشريعات الاقتصادية بما يزيد من فاعلية القطاعات الاقتصادية الحيوية في الدولة في أفق تحويل اقتصاد الدولة إلى اقتصاد معرفي بالكامل.

كما أن إصدار قانون المنافسة سوف يساهم في تحقيق الأهداف التالية:

* دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت تلعب دورا رئيسيا في اقتصاد الدولة.

* تعزيز جهود دول مجلس التعاون التي تعمل في الوقت الحالي على إعداد قانون خليجي موحد حول المنافسة سوف يساهم في توحيد آليات حماية المنافسة على صعيد جميع دول مجلس التعاون.

* الزيادة من تنافسية القطاعات الصناعية والخدمية المحلية في مواجهة المنافسة الأجنبية سواء على الصعيد المحلي أو الدولي.

هذا وقد قامت وزارة الاقتصاد بتكليف من مجلس الوزراء إعداد مسودة أولى لمشروع قانون اتحادي في شأن المنافسة وعرضته على جميع الجهات المعنية بالدولة، اتحادية كانت أو محلية، حكومية أو قطاعا خاصا.

وقد استندت الوزارة في صياغة أحكامه إلى القانون النموذجي بشأن المنافسة الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد صخشء) وعدد من التشريعات الدولية ومنها على الأخص التشريع الأوروبي بشأن المنافسة، فالقانون النموذجي يتضمن القواعد المنظمة للمنافسة التي تحويها التشريعات الوطنية لمعظم الدول الأعضاء في الأونكتاد، والتشريع الأوروبي يمثل تجربة جد متقدمة على المستوى العالمي في مجال وضع وإنفاذ قواعد المنافسة.

وكما سلفت إلى ذلك الإشارة، تم إعداد مشروع قانون للمنافسة بناءً على توصية من جهاز مراجعة السياسة التجارية لمنظمة التجارة العالمية (أبريل ‬2006)، ولكن أيضاً نتيجة الإدراك والوعي بأهمية مثل هذا القانون في توفير بيئة محفزة للمنشآت من أجل تعزيز الفاعلية والتنافسية ورفاهية المستهلك وتحقيق تنمية مستدامة في الدولة، والمحافظة على سوق تنافسية محكومة بآليات السوق من خلال حظر الاتفاقات المقيدة، وحظر الأعمال والتصرفات التي تفضي إلى إساءة استغلال لوضع مهيمن، ومراقبة عمليات التركز الاقتصادي، وتجنب كل ما من شأنه الإخلال بالمنافسة أو الحد منها أو منعها. وهو ما نصت عليه المادة (؟) من مشروع القانون المستوحاة من الفصل الأول من القانون النموذجي للمنافسة.

في ما يتعلق بتحديد ما يشكل ممارسة مخلة بالمنافسة، استند مشروع القانون إلى المعيار المتبع في التشريع الأوروبي الذي يعرف الممارسة المخلة بالمنافسة كل ممارسة «يكون موضوعها أو الهدف منها الإخلال بالمنافسة أو الحد منها أو منعها».

وفي ما يتعلق بتصنيف هذه الممارسات، فقد استند مشروع القانون إلى كل من القانون النموذجي والتشريع الأوربي للمنافسة اللذين يصنفانها في فئتين رئيسيتين هما: «الاتفاقات المقيدة» و«إساءة استغلال وضع مهيمن».

وبالنسبة لعمليات التركز الاقتصادي التي يحتمل أن تؤثر على مستوى المنافسة في السوق المعنية، يشترط مشروع القانون لإتمامها، قيام المنشآت المعنية بإخطار الوزارة بها وموافقة الوزير عليها. وهو ما يعرف بنظام «الإخطار المسبق » بعمليات التركز الاقتصادي بهدف التحقق من مدى تأثيرها على مستوى المنافسة في السوق المحلي. وهو نفس النظام الوارد في القانون النموذجي للمنافسة. ويتضمن مشروع القانون عددا من الاستثناءات التي تجد مرجعيتها في عدد من الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية لبعض الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، مثل إمكانية استثناء الاتفاقات المقيدة أو الممارسات ذات الصلة بوضع مهيمن التي ستساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية، والتصرفات السيادية التي تباشرها الحكومة الاتحادية أو إحدى حكومات الإمارات، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة وفق ضوابط يحددها مجلس الوزراء.

وفي ما يتعلق بالإطار المؤسسي، اعتمد مشروع القانون نموذجا مؤسسيا يتوافق مع خصوصيات الدولة ويرتكز على «وزير الاقتصاد» كسلطة تقريرية، ولجنة المنافسة كهيئة استشارية. وبطيعة الحال توجد إدارة بوزارة الاقتصاد ستكون مختصة بتنفيذ أحكام هذا القانون تحت السلطة الإشرافية للوزير. وهو النموذج الذي أجمعت عليه جميع الجهات التي شاركت في مناقشة هذا المشروع واعتماد مواده سواء أكانت جهات حكومية أو قطاع خاص، سواء أكانت اتحادية أو محلية.

يتضح مما سبق، أن مشروع قانون المنافسة قد استند بالفعل إلى مرجعية قانونية دولية تمتاز بتنوعها حيث أنها شملت قانونا نموذجيا صادرا عن منظمة دولية متخصصة (الأونكتاد) وتشريعات دولية رائدة (مثل تشريع الاتحاد الأوربي) ولكن حَرِص بموازاة مع ذلك على المحافظة على هامش معين من حرية التصرف في هذه المرجعية، وهو ما أتاح للمشروع اعتماد خيارات تستجيب لخصوصيات الدولة في معالجة بعض القضايا الأساسية في سياسة وقانون المنافسة مثل الاستثناءات والإطار المؤسسي.

مستشار أول للعلاقات الاقتصادية بوزارة الاقتصاد