من المتوقع أن يتطور مفهوم الاستدامة ليصبح جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية المؤسسية للشركات خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحديات المعيشية الحالية لما يقارب السبعة مليارات نسمة تعداد؛ سكان العالم حاليا، والذين يصل دخل أربعة مليارات نسمة منهم إلى أقل من دولارين في اليوم، بالإضافة إلى الخطر المتمثل في نقص المياه وغيرها من الموارد الأساسية للحياة.
وبات مصطلح الشفافية الجذرية محور النقاش الدائر حول الاستدامة بعد أن ورد للمرة الأولى في كتاب «الذكاء البيئي» من تأليف دان غولدمان، وهو كاتب متخصص في العلوم لدى جريدة «نيويورك تايمز»، ويرمز المصطلح الجديد إلى إزاحة الستار عن سلسلة الإنتاج؛ أي كشف جميع الحقائق الصحية والبيئية والاجتماعية بدءًا من كمية انبعاث غاز الكربون أو ما بات يعرف بالبصمة الكربونية مروراً بالمواد الكيماوية المستعملة في عملية الإنتاج وصولاً إلى ظروف معيشة ومعاملة العمال، وذلك بهدف توفير المعطيات الضرورية للمستهلك خلال شرائه للمنتج لكي يختار ما يراه مناسباً. وتعتبر هذه المبادرة مؤشراً على استعداد الشركة لتوفير جميع المعلومات حول عملياتها ووضعها باستخدام المستثمرين والمستهلكين على حد سواء. ويمكن للتواصل الاجتماعي أن يلعب دوراً محورياً في بناء نظرة الجمهور تجاه إسهامات الشركة في مجال الاستدامة، خاصة في ضوء قدرة المستهلكين المتزايدة على التعبير عن آرائهم ونشرها عبر شبكة الانترنت، فقد أصبحت صورة العلامة التجارية خارج أيدي الشركات ووكالات الدعاية والإعلان، في ضوء اختلاف دور وتأثير المستهلكين في الأسواق اليوم، ويمكن أن يسهم ذلك في زيادة انتشار العلامة التجارية وتعزيز مكانتها في الأسواق بشكل كبير. وبالعودة مرة أخرى إلى دور الشفافية الجذرية وارتباطها مع الاستدامة، فقد بات هذا المبدأ الجديد يدفع الشركات نحو فئة جديدة من الأسواق التي تشهد تفاعلاً متبادلاً بين الأفراد والمستهلكين. حتى إن ظاهرة التفاعل الاجتماعي تؤثر أيضاً في اختيار الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس إدارة الشركات، وقد باتت قضية الاستدامة جزءاً مكملاً لعملية الاختيار هذه، إذ بدأت الشركات بالبحث عن الرؤساء التنفيذيين الذين يتميزون بعقلية مستقلة ولديهم القدرة على ممارسة مهامهم بشكل أخلاقي. لكن ذلك لا يعني تجاهل الأداء المالي للشركة، إذ يجب مقاربة الاستدامة بشكل تجاري، بالإضافة إلى أهمية إيصال هذه الفكرة إلى المستهلكين والمساهمين على حد سواء، إذ يجب أن تكون الاستدامة ذات أهمية واقعية بالنسبة لجميع الجهات المرتبطة بالشركة وأعمالها، من موظفين ومساهمين ومستهلكين.